Arab
يعد "باب الواد" الحي الشعبي الأكثر حيوية في وسط العاصمة الجزائرية، ويقع على سفح جبل صغير يطل على البحر المتوسط، ويرتبط بحي القصبة العتيق، وتطل عليه كنيسة السيدة الأفريقية. استمد الحي اسمه من اسم أحد الأبواب التاريخية الخمسة لمدينة الجزائر القديمة بعد الاحتلال الفرنسي، حين أجرى الاحتلال تخطيطاً عمرانياً سمح بإنشاء الحي الأوروبي الطراز، قبل أن يغادره المستعمرون عشية استقلال الجزائر في يوليو/تموز 1962.
بعد عقود من الاستقلال، بدأ حي باب الواد يضيق بسكانه الذين تزايدت أعدادهم، وتحول من طابعه العمراني الأوروبي إلى حي شعبي بامتياز ترسَّخت فيه مظاهر الفوضى، ومع وجود ناديَي مولودية الجزائر واتحاد الجزائر، أكبر ناديين لكرة القدم والأكثر شعبية في البلاد، وتفاقم مشكلات العيش منذ ثمانينيات القرن الماضي، وعجز الحكومة عن التعامل مع الأزمات المتراكمة، بدأ الحي يأخذ طابع التمرد بفعل مجموعات الأولتراس، وشكل ذلك مناخاً لتصاعد الشعارات السياسية التي تعبر عن حالة سخط على السلطة.
في انتفاضة أكتوبر/تشرين الأول 1988، كان حي باب الواد في صدارة الأحداث، إذ كان معقلاً للانتفاضة، وشهد مواجهات مع الشرطة، وفيه سقط أول ضحايا هذه الانتفاضة، عندما فتح الجيش الرصاص على المتظاهرين، ما فاقم الغضب تجاه السلطة. في الفترة اللاحقة التي شهدت انفتاحاً سياسياً تعددياً وفر الحي للتيار الإسلامي مساحة مهمة للنشاط، خاصة مع تمركز عدد من رموز الحركة الإسلامية الراديكالية فيه، وصولاً إلى اعتصام الإسلاميين في يونيو/حزيران 1991.
وخلق هذا المسار السوسيولوجي للمكان أزمة مستمرة بين السلطة وسكان حي باب الواد، فخلال الحراك الشعبي في فبراير/شباط 1999، كانت المظاهرات التي تنطلق من الحي باتجاه مقر البريد المركزي، حيث يتجمع المتظاهرون الوافدون من أنحاء أخرى، ما جعله الأكثر تأثيراً في الحراك.
لهذه الاعتبارات المجتمعية والسياسية، ولاعتبارات أخرى تخص تقادم العمران وضرورات التجديد، فكرت السلطات الجزائرية في تفريغ الحي من سكانه، ونقلهم إلى أحياء جديدة في ضواحي العاصمة، وإعادة استغلال مساح الحي لإنجاز مرافق جديدة.
في نهاية العام الماضي، دخلت خطة حكومية لتجديد العاصمة حيز التنفيذ، وشملت تجديد الواجهات البحرية، وهدم كل العمارات المهددة بالانهيار، وفحص العمارات القديمة للتثبت من أهليتها للترميم، أو تصنيفها ضمن لائحة العمارات المهددة بالانهيار، واتخاذ قرار هدمها، خاصة بعد تكرار انهيارات مفاجئة لأجزاء من هذه العمارات، وتسجيل وفيات وإصابات.
وخلال شهر إبريل/نيسان الماضي، نقلت السلطات عشرات العائلات التي كانت تقطن في عمارات آيلة إلى السقوط إلى شقق سكنية مجانية في أحياء جديدة أنشأتها في ضواحي العاصمة، ضمن ما يعرف بمشروع "السكن الاجتماعي" للعائلات المعرضة للخطر والعائلات محدودة الدخل.
من حي باب الواد، يؤكد الكاتب عبد الرحمن الدايم لـ"العربي الجديد"، أن "الحي كان يضبط لعقود نسق ومناخات العاصمة الجزائر، لكنه تعرض لعقود من الإهمال بعد الاستقلال، ثم تعرض للظلم بفعل أزمات سياسية شهدها في سياقات مختلفة. الحي يجمع كل المتناقضات المجتمعية، فهو حي الأفراح الرياضية وفرق الغناء الشعبي، وهو في الوقت نفسه أكثر الأحياء بؤساً بفعل الضغط السكاني، وهو يجمع بين نشاط التيارات الدينية وشبكات الاتجار بالمخدرات، ورغم انفتاح الحي على البحر ينتشر داخله العنف المجتمعي، وأعتقد أن انتباه السلطة في المرحلة الأخيرة لإعادة تشكيل الحي على نسق عمراني مختلف خطوة مهمة تمسح باكتشافه من جديد".
ويضم الحي بعض قاعات العرض السينمائي التي احتضنت أحداثاً ومحطات تاريخية، كقاعة الأطلس، وسينما الحرية التي تعرف بقاعة "لابارل"، والأولى تم ترميمها بالكامل، بينما هدمت الثانية في الخامس من إبريل الماضي، كما تم هدم آخر الجدران المتبقية من كنيس يهودي في الحي.
وتخطط السلطات لاستغلال المساحات التي كانت تضم البنايات والعمارات المهدمة لإنجاز بنايات وأبراج عصرية ذات طابع معماري حديث، والأسبوع الماضي، أعلن حاكم ولاية الجزائر، نور الدين رابحي، توجيه المستثمرين نحو إنجاز أبراج على مستوى الواجهة البحرية للعاصمة، وفق خطة تحديث العاصمة الجزائرية.
وتنفذ السلطات في السياق نفسه خطة لترميم البنايات، تشمل دهن الجدران، وتحسين المحيط الحضري، واسترجاع جماليات الحي، وتهيئة الواجهة البحرية التي تعرف باسم "قاع الصور"، والواجهة البحرية "ساحة الكيتاني"، وهي أكبر ساحات حي باب الواد، وتواصل حملة إنهاء مظاهر التجارة الفوضوية في الحي، خاصة بعد إنشاء أسواق حديثة مغطاة نقل إليها تجار الأرصفة لمزاولة نشاطهم في ظروف ملائمة، ما أدى إلى تسهيل حركة المرور.

Related News
واشنطن ورهان الطاقة الليبي
alaraby ALjadeed
52 minutes ago
هجمات إبريل تعيد رسم خطوط الاشتباك في مالي
alaraby ALjadeed
52 minutes ago