Arab
مع تشديد الاحتلال الإسرائيلي حصاره على قطاع غزة، ومنعه إدخال الأجهزة الطبية الجديدة أو قطع الغيار، تحوّلت أقسام الأشعة في مستشفيات القطاع إلى بيئة شبه مشلولة، تعتمد على أجهزة متهالكة، أو حلول بديلة محدودة، ما يهدّد حياة آلاف المرضى.
لا تقتصر تداعيات الحرب في قطاع غزة على الدمار المباشر، بل امتدت آثارها العميقة إلى مختلف القطاعات، وعلى رأسها القطاع الصحي، إذ يؤدي نقص الأجهزة إلى تأخير تقديم الخدمة الطبية، كما يفتح الباب أمام أخطاء تشخيصية، وبالتالي مضاعفات صحية، وقد يصل في بعض الحالات إلى فقدان حياة كان يمكن إنقاذها.
وبينما تتكدس المستشفيات بالجرحى والمرضى، يواجه الأطباء تحدياً مضاعفاً يتمثل في النقص الخطير لأجهزة الأشعة التشخيصية، التي تُعد حجر الأساس في تحديد الحالات المرضية ووضع الخطط العلاجية. وتشكل أزمة نقص أجهزة الأشعة كارثة إنسانية تمس جوهر الحق في العلاج والحياة، ومع استمرار الحصار يبقى المرضى عالقين بين الألم والانتظار، لا يعرفون متى يحصلون على فرصة لتشخيص أمراضهم، بينما تتدهور أوضاعهم الصحية يوماً بعد آخر.
وجد الفلسطيني محمد جبر داود (45 سنة) نفسه عالقاً بين المرض والحصار، إذ يعاني من سرطان البلعوم، وكان يتلقى العلاج في مستشفى المقاصد الخيرية في القدس، قبل أن تمنعه الحرب من استكمال رحلة العلاج، وتمنعه من مغادرة غزة.
يقول داود، وهو مُعيل لأسرة مكونة من ستة أفراد، لـ"العربي الجديد"، إن حالته الصحية تتدهور، لكن الأخطر هو عدم قدرته على إجراء الفحوص الأساسية، مثل التصوير المقطعي الذي يُفترض أن يحدّد مدى تطور المرض، خصوصاً بعد اكتشاف نتوءات في صدره تحتاج إلى متابعة عاجلة. ويوضح أنه حصل على تحويلة طبية عاجلة من أجل السفر لاستكمال علاجه قبل أكثر من عام، لكنه لم يتمكّن من السفر حتّى الآن، كما لا يمكنه إجراء الفحص في القطاع لعدم توفره، مؤكداً أن هذا التأخير يزيد من معاناته، ويهدد بفقدان فرص الحصول على العلاج في الوقت المناسب، مطالباً الجهات المعنية بضرورة النظر إلى حالته الصحية، وتسهيل سفره للخارج من أجل استكمال العلاج.
بدورها، تعيش الفلسطينية ختام عبد القادر (50 سنة) تفاصيل معاناة مختلفة لا تقل قسوة، فبعد خضوعها لعملية جراحية قبل عدة شهور، تعرضت إلى مضاعفات أدت إلى تلف في أعصاب قدمها اليمنى، ما جعلها تعاني من آلام شديدة، وأفقدها القدرة على المشي. وتوضح عبد القادر لـ"العربي الجديد"، أنّ أوضاعها تدهورت مؤخراً، وأصبحت عاجزة تماماً عن الحركة، ما دفع الأطباء لطلب تصوير مقطعي لتحديد سبب المشكلة، لكنها تفاجأت بأن موعد إجراء الصورة سيكون بعد أكثر من شهر، في حين أن حالتها الصحية لا تحتمل التأخير، الأمر الذي انعكس سلباً على حالتها الصحية والنفسية. وتضيف أن "انتظار التشخيص أصبح عبئاً نفسياً لا يقل قسوة عن الألم الجسدي، إذ إنّ تحديد العلاج المناسب مرهون بنتيجة الفحص التي لا تزال مؤجلة في ظل ضغط هائل على الأجهزة القليلة المتبقية في القطاع. تقديرات الأطباء تشير إلى ارتخاء في أعصاب القدم، ما يستدعي إجراء عملية جراحية، لكن صورة الأشعة هي التي ستحسم الأمر".
اكتشف الأطباء وجود كتلة سرطانية في دماغ الفتى محمد صالح (17 سنة) بعد صورة أولية بالأشعة، لكنهم أكدوا ضرورة إجراء تصوير مقطعي ملون لتحديد طبيعة الورم، وما إذا كان يحتاج إلى تدخل جراحي أو علاج آخر. ويعيش والده حالة من القلق المستمر بعد أن اصطدم بواقع قوائم الانتظار الطويلة، من دون أي ضمان لموعد تصوير قريب. ويقول لـ"العربي الجديد" إن "كل يوم تأخير يزيد من مخاوفي، خاصة أن الحديث يدور حول ورم في الدماغ، ما يتطلب تشخيصاً سريعاً ودقيقاً. قرر الأطباء تكرار إجراء الصورة كل أربعة شهور من أجل التأكد من عدم تغيّر طبيعة الورم وحجمه، علماً أن محمد يحتاج إلى تحويلة علاجية لإجراء عملية جراحية معقدة خارج القطاع".
في حالة أخرى، يعاني الطفل حسام عامر (7 سنوات) من تداعيات سقوطه على رأسه أثناء اللعب، ما أدى إلى مشاكل محتملة في الدماغ، ويقول والده إن اضطرابات في النظر ظهرت على طفله، الأمر الذي زاد من مخاوفه. ويبين لـ"العربي الجديد"، أنه اصطحب طفله إلى المستشفى لمعرفة المشكلة، وقرر الأطباء إجراء صورة مقطعية (CT) لتحديد طبيعة المشكلة، لكنه لم يتمكن من إجراء الصورة، وتقرّر تأجيلها لقرابة الشهر.
وتعكس هذه الحالات الواقع المأساوي في غزة، إذ يتحول الانتظار إلى عامل خطر، خاصة عندما يتعلق الأمر بإصابات في الدماغ أو أمراض خطيرة. من داخل مجمع الشفاء الطبي، يرسم استشاري الأشعة التشخيصية الطبيب محمد مطر صورة قاتمة للوضع، مؤكداً أنّ قطاع غزة يعاني من نقص شديد في جميع أنواع أجهزة الأشعة نتيجة قيود سابقة على إدخالها، وتلك القيود تفاقمت خلال الحرب لتصل إلى منع شبه كامل.
ويضيف مطر لـ"العربي الجديد" أن "العديد من الأجهزة جرى تدميرها أو فقدانها، فيما خرجت أخرى عن الخدمة بسبب الاستهلاك وعدم توفر قطع الغيار. فمثلاً، لم يتبقَّ أي جهاز رنين مغناطيسي في القطاع رغم أنه كان هناك تسعة أجهزة قبل الحرب، أما أجهزة التصوير المقطعي، فلا يعمل منها سوى خمسة فقط في جميع أنحاء قطاع غزة. كان مستشفى الشفاء يضمّ ثلاثة أجهزة تصوير مقطعي قبل الحرب، ولا يوجد اليوم أي جهاز يعمل، ما يضطر الطواقم لتحويل المرضى إلى مستشفيات أخرى في ظروف قد تكون خطيرة، خاصة للحالات الحرجة". ويتابع أن "أجهزة الأشعة السينية (X-ray) هي الأخرى في وضع متدهور، ويعتمد المستشفى على جهاز واحد متهالك يعمل فوق طاقته، بينما يستقبل أكثر من 400 حالة يومياً، رغم أن طاقته الاستيعابية لا تتجاوز 100 حالة في الظروف الطبيعية. تقليص عدد الفحوص أصبح أمراً واقعاً، وجرى خفض عدد حالات التصوير المقطعي من أكثر من 250 حالة يومياً قبل الحرب إلى نحو 50 حالة فقط، مع إعطاء الأولوية للحالات الطارئة. هذا التقليص يعني أن مئات المرضى، خاصة من المصابين بالأورام، ينتظرون شهوراً لإجراء فحص قد يكون حاسماً في تحديد مصيرهم. قوائم الانتظار في بعض المستشفيات تصل إلى ستة أشهر، وهذا وقت طويل يؤدي إلى تدهور الحالات المرضية".
ويحذر مطر من أنّ "غياب التشخيص الدقيق يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، وقد سجلت حالات وفاة نتيجة تأخير الفحوص اللازمة، كما أن الاعتماد على بدائل أقل دقة، مثل الفحوص الجزئية، لا يوفر الصورة الكاملة للحالة الصحية. لا تتوقف المشكلة عند نقص الأجهزة، بل تمتد إلى غياب قطع الغيار التي يمنع الاحتلال إدخالها، ما يجعل إصلاح الأجهزة المتبقية شبه مستحيل، وتضطر الطواقم الفنية إلى تفكيك أجهزة مدمّرة، واستخدام أجزائها لإصلاح أجهزة أخرى، في محاولة لإبقاء الحد الأدنى من الخدمة. يظلّ انقطاع التيار الكهربائي وعدم استقراره سبباً إضافياً لتعطل الأجهزة، خاصة في الأقسام الحساسة مثل القلب والولادة، ما يزيد من تعقيد المشهد".
ورغم محاولات وزارة الصحة في غزة التواصل مع منظمة الصحة العالمية لإدخال الأجهزة الضرورية أو قطع الغيار، إلّا أن جميع الجهود لم تثمر عن نتائج، وسط استمرار القيود الإسرائيلية المفروضة. في ظل هذا الواقع، تتحول رحلة العلاج في القطاع إلى معركة يومية، لا يخوضها المرضى وحدهم، بل عائلاتهم أيضاً. وبين انتظار موعد فحص، والبحث عن تحويلة طبية، ومحاولة السفر للعلاج، يعيش المرضى حالة من القلق المستمر بينما لا يملكون ترف الانتظار.
وفي الوقت الذي تتزايد فيه الاحتياجات الطبية، تبدو الإمكانيات المتاحة عاجزة عن الاستجابة، ما يستدعي تحركاً عاجلاً من المجتمع الدولي، ليس لإدخال الأجهزة فحسب، بل لضمان حق المرضى في الوصول إلى التشخيص الدقيق والعلاج المناسب قبل فوات الأوان.

Related News
إسرائيل تستأنف محاولات توسيع سيطرتها في جنوب لبنان
aawsat
4 minutes ago
8 عادات يومية بسيطة تقلل خطر الإصابة بالنوبات القلبية
aawsat
5 minutes ago
تشيلسي يدرس التعاقد مع تشافي
aawsat
8 minutes ago