هل يُسرّع الذكاء الاصطناعي انهيارنا العصبي؟
Arab
1 hour ago
share
أرهق الذكاء الاصطناعي أعصابي. وقبل أن يسارع أحدهم إلى إرسال هذا المقال إلى نموذج مدفوع ليردّ عليّ رداً نارياً، أوضّح أنني لست ضده، ولا أحمل له ضغينة - حاشا لله - فهو في النهاية "جيشٌ ملياري"، ولست سوى فردٍ واحد حباه الله قريحة ذاتية، لا تشكيلاً من مليارات البيانات. المسألة ببساطة أن هذا السيل الكميّ الهائل من المحتوى - منشورات لا تنتهي، وإسهابات لا تنقطع، وفقرات كأنها سلسال أبدي - تحوّل إلى صداع يومي، حتى غدا "النص الطبيعي" سلعة نادرة، والفكرة الأصيلة ضالةً مُضنية. فجلّ ما يُنتج اليوم يبدو كأنه صادر عن "اشتراك" واحد، مهما تعددت الأسماء. تقابلني نصوص منمّقة، كلماتها مكدّسة بالمرادفات، وأسلوبها متكرر رتيب، أو مرتب لكنه ركيك. لا شيء فيها يوحي بالجِدّة؛ كأنها فضلات نصوص بشرية أُعيد تدويرها: هذا جزء من تلك، وتلك المقابلة قرأتها للمرة الألف. حتى أطوال النصوص باتت متقاربة على نحوٍ يثير الريبة؛ هل يُعقل أن يمتلك الجميع عدد الحروف نفسه للتعبير عن نفسه، مهما اختلفت المواقف والمجالات والمشارب؟ تتنقّل من نص إلى آخر، فلا تكاد تعثر على فارق يُذكر بين كُتّابها. وحين تعود إلى الأسماء، تدرك أن ثمة "هويات كتابية" متعددة لكاتبٍ واحد، أو لأسلوبٍ واحد على الأقل. ومع ذلك، ومن دون جمودٍ أو تجنٍّ، لا أدعو إلى التخلي عن أداةٍ يسّر الله فيها بعض الخير لعباده، وإن حفلت كذلك بشرّها الظاهر والباطن. ما أرجوه هو التوسّط. فهذه التحديثات "المرعبة" - كما يحلو لبعض صنّاع المحتوى المأجورين تسميتها - تمثل الحلم الأكبر للرأسمالية، لكنها في الوقت نفسه تهديدٌ للرأس الإنسانية نفسها. لقد انقلبت المعادلة: صارت الأفضلية لمن يُنتج أكثر، وأسرع، وبصورةٍ مفرطة، لا لمن يُبدع أفكاراً أعمق، وأصدق، وأرسخ أصالة. والمفارقة أن الذكاء الاصطناعي، المعتمد على مليارات الأفكار البشرية، قد يُسهم - إن استُهلك بلا وعي - في إعدام الفكرة نفسها، حين يجفّ منبعه الأصلي. عندها لا نرى سوى ما نراه الآن: آلاف المنتجات المتشابهة يومياً، ومصادر يكاد ينعكس بعضها في بعض. المفارقة أن الذكاء الاصطناعي، المعتمد على مليارات الأفكار البشرية، قد يُسهم—إن استُهلك بلا وعي—في إعدام الفكرة ذاتها اليوم، صادفت نصاً لكاتب عادي، ثم قرأت مقالاً شعرت معه أنني عدت خمس سنوات إلى الوراء دفعةً واحدة. وفي اليوم نفسه، قرأت كتاباً حديثاً، أحسب أن صاحبه لم يكتب فيه كلمة واحدة خارج وحي فكره الخصب. لم يُخضعه لمراجعة نموذجٍ ذكيّ ليُضفي عليه عبارات باهرة من قبيل: "لقد وضعت مانيفستو متكاملاً" أو "ينقصه كذا ليصير دستوراً منهجياً". بل تركه لميزان التجربة البشرية الخالصة، خالياً من أي "مواد صناعية". ما أخشاه حقاً أن يقودنا التطبيع مع هذه السرعة، وهذه النمطية في المبنى والمعنى والتعبير، إلى فرض "حد أدنى" صارم لا يُقبل ما دونه، و"قوالب مثلى" لا يُسمح بالخروج عنها، و"تعبيرات فُضلى" لا يُستساغ سواها. حينها سنغرق في عصر "الزبد الحديث": كثيرٌ من الرغوة، قليلٌ من الماء؛ جفاف قاس، وعطش معرفي، وعقول تنتفخ بلا جدوى. فاللهَ اللهَ في عقولكم وقرائحكم. ثمة مسافة شاسعة بين الطبيعي الذي تُنتجونه، على ما فيه من نقص، وبين كمال مُشتبه تُفرزونه على ما يبدو فيه من اكتمال. أما أنا، فأذوب اليوم هياماً بذلك النقص الطبيعي؛ إذ بات الكمال المصطنع، في نظري، تشوّهاً لا يُطاق.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows