من الاختراق إلى الهيمنة.. كيف أحكم الحوثيون قبضتهم على المنظمات الإنسانية؟
Party
1 hour ago
share

شيئًا فشيئًا، تحولت المساعدات الإنسانية في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي من استجابة لاحتياجات السكان إلى أداة نفوذ معقّدة، أعادت من خلالها المليشيات تشكيل المجال الإنساني بما يخدم أهدافها السياسية والاجتماعية، بعيدًا عن مبادئ الحياد والاستقلال.

 

بدأت مليشيا الحوثي مسارها بالاستيلاء المباشر على المساعدات وعرقلة وصولها، قبل أن تنتقل إلى بناء منظومة أكثر تنظيمًا تمكّنها من التحكم بمسارات العمل الإغاثي، دون الظهور كطرف مباشر، عبر شبكات وسيطة وأدوات ضغط متعددة.

 

ومع مرور الوقت، توسّع هذا النفوذ ليطال البنية الداخلية للمنظمات نفسها، عبر الاختراق والتوظيف الموجّه وفرض الشركاء، ما أفرز علاقة ملتبسة بين العمل الإنساني وسلطة المليشيا، وأعاد توجيه المساعدات بما يعزز شبكات الولاء ويقوّض استقلالية القرار الإغاثي.

 

من النهب إلى الهيمنة

 

بدأت مليشيا الحوثي تعاملها مع المساعدات الإنسانية كغنيمة مباشرة، من خلال مصادرة الشحنات الإغاثية واقتطاع أجزاء منها في نقاط التفتيش، في مرحلة أولى اتسمت بالعشوائية وغياب أي إطار منظم لإدارة هذا المورد الحيوي.

 

لكن هذا النمط لم يستمر طويلًا، إذ سرعان ما تطور إلى منظومة أكثر تعقيدًا، تقوم على التحكم غير المباشر بمسارات العمل الإنساني، عبر أدوات ضغط وشبكات وسيطة، ما أتاح للجماعة إعادة توجيه المساعدات بما يخدم أهدافها السياسية والاجتماعية.

 

وترى المحامية هدى الصراري، رئيسة مؤسسة دفاع للحقوق والحريات، أن ما يجري لا يمكن قراءته بمعزل عن النمط الأوسع لسلوك الجماعة، الذي يقوم على توظيف كل مؤسسة وكل مورد وكل حضور دولي لخدمة أجندتها السياسية والأمنية، مؤكدة أن اختراق الحوثي للمنظمات ليس ظاهرة عفوية بل سياسة ممنهجة.

 

وأوضحت الصراري، في تصريح لـ"الصحوة نت"، أن هذه السياسة تتوزع بين التهديد المباشر والابتزاز والتغلغل الوظيفي، وتستهدف في نهاية المطاف إفراغ العمل الإنساني من استقلاليته وتحويله إلى أداة إخضاع للمجتمعات، مشيرة إلى أن هذا السلوك يحمل خطورة قانونية لارتباطه بمبدأي الحياد والاستقلال في القانون الإنساني الدولي.

 

وأضافت أن تأثير هذا التوجه يتجلى ميدانيًا في تحويل المساعدات إلى أداة توزيع انتقائي، يُكافأ بها الموالون ويُعاقب بها المعارضون، وهو ما يرقى إلى انتهاك صريح لاتفاقيات جنيف، خاصة مع وجود تقارير موثقة عن نهب المساعدات والمتاجرة بها واستغلالها.

 

صناعة وسيط موالٍ

 

باشرت مليشيا الحوثي منذ وقت مبكر استهداف المنظمات المستقلة في مناطق سيطرتها، عبر حملات اقتحام وإغلاق ومصادرة ممتلكات، ما أدى إلى إضعاف الفضاء المدني وإقصاء الفاعلين غير المنضوين ضمن مشروعها، وخلق بيئة مقيدة للعمل الإنساني المستقل.

 

وبالتوازي مع ذلك، عملت الجماعة على إنشاء شبكة واسعة من الجمعيات والمؤسسات التابعة لها أو المرتبطة بقياداتها، لتكون بديلاً جاهزًا يملأ الفراغ، ويعمل كوسيط شبه حصري بين المنظمات الدولية والمجتمعات المحلية في مناطق سيطرتها.

 

فرضت هذه الشبكة الحوثية نفسها كشريك إلزامي في تنفيذ المشاريع، حيث لم يعد بإمكان المنظمات العمل أو الوصول إلى المستفيدين دون المرور عبر تلك الكيانات، التي تولّت إدارة التوزيع وتحديد الأولويات بما يتماشى مع توجهات الجماعة.

 

في هذا الشأن، قال مدير مكتب حقوق الإنسان بمحافظة البيضاء، صالح الحميقاني، إن ما حدث مع المنظمات في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي جاء نتيجة مباشرة لسياسة الإكراه التي فرضتها الجماعة على المنظمات للعمل تحت كنفها، حتى بدت المنظمات وكأنها تدين لها بالولاء وتعمل ضمن توجهاتها بشكل شبه كامل.

 

وأضاف، في تصريحاتٍ لـ"الصحوة نت"، أن هذا الواقع انعكس على مختلف مفاصل العمل الإنساني، حيث تم التحكم في التوظيف، خاصة في المواقع الحساسة، إلى جانب التخطيط والتنفيذ والتوزيع والتقارير، ما أدى إلى انحراف المساعدات عن مسارها وتحويلها لخدمة مصالح المليشيا.

 

وأشار الحميقاني إلى أن العديد من المنظمات، رغم حرصها على الاستمرار لتفادي الأزمة الإنسانية، وقعت في فخ الجماعة التي استغلت الموارد والوظائف، وتلاعبت بكشوفات المستفيدين، بحيث باتت المساعدات تذهب في كثير من الأحيان إلى عناصرها والموالين لها.

 

الاختراق من الداخل

 

لم تكتفِ مليشيا الحوثي بالسيطرة الخارجية على عمل المنظمات، بل انتقلت إلى مرحلة أعمق تمثلت في اختراق بنيتها الداخلية، عبر الدفع بعناصر موالية إلى مواقع وظيفية حساسة، أو فرض ترقيات وتعيينات تضمن لها حضورًا مباشرًا داخل مراكز القرار.

 

ومع إحكام قبضتها على مؤسسات الدولة في صنعاء، استخدمت المليشيا أدوات الضغط الإداري والأمني لفرض هذا التغلغل، بما يشمل التأثير على سياسات التوظيف داخل المنظمات، وربط بعض التسهيلات بمدى الاستجابة لهذه الإملاءات.

 

وفي هذا السياق، يؤكد صالح الحميقاني أن مليشيا الحوثي فرضت تحكمًا كاملًا في عملية التوظيف داخل المنظمات، خصوصًا في الأماكن الحساسة، إلى جانب سيطرتها على التخطيط والتنفيذ والتوزيع والتقارير.

 

وأضاف أن هذا التحكم مكّن مليشيا الحوثي من التأثير المباشر في مسارات العمل الإنساني، وهو ما أدى إلى تلاعب واضح بكشوفات المستفيدين، بحيث أصبحت المساعدات تُوجَّه بشكل أكبر نحو الموالين لها، وفق واقع مفروض بالقوة، في حين يتم إقصاء أو تهميش فئات أخرى.

 

وأشار الحميقاني إلى أن هذا الاختراق لم يقتصر على التوظيف، بل امتد إلى التأثير على عمل المنظمات من الداخل، ما أضعف حيادها، وجعل بعض قراراتها أقرب إلى الاستجابة للضغوط منه إلى الالتزام بالمعايير الإنسانية.

 

إلى ذلك، أكدت هدى الصراري أن هذا النمط من التغلغل داخل المنظمات يمثل سياسة حوثية ممنهجة تهدف إلى إفراغ العمل الإنساني من استقلاليته، وتحويله إلى أداة ضمن منظومة السيطرة، من خلال الجمع بين التهديد المباشر والابتزاز والتأثير الوظيفي.

 

الابتزاز والإخضاع

 

تعمل مليشيا الحوثي على إحكام السيطرة على المنظمات الإنسانية عبر منظومة ضغط واسعة، تبدأ من الإجراءات الإدارية والتصاريح، ولا تنتهي عند تقييد حركة الموظفين واستدعائهم، ما يجعل بيئة العمل الإنساني خاضعة لرقابة دائمة ومستمرة.

 

وامتد هذا النهج ليشمل فرض اشتراطات مالية وإجرائية غير معلنة، إضافة إلى التحكم في سفر العاملين الدوليين عبر مطار صنعاء، واستخدام هذه الأدوات كوسائل ضغط لإجبار المنظمات على الامتثال لمتطلبات المليشيا وتجنب تعطيل أنشطتها.

 

وفيما يتعلق بصمت المنظمات تجاه الابتزاز الحوثي، تشير الصراري إلى أنه ناتج عن مزيج من حسابات المخاطر المؤسسية وغياب المحاسبة الدولية، حيث تخشى المنظمات الطرد وتعطيل عملياتها، مؤكدةً أن هذا الصمت، رغم كونه مفهومًا بشريًا، يظل غير مقبول قانونيًا وأخلاقيًا في ظل استمرار الانتهاكات بحق المدنيين.

 

وأوضحت أن هذا الصمت لا يؤدي إلى تقليل المخاطر، بل يساهم في تصاعدها، مستشهدة بحوادث متزامنة تعكس اتساع دائرة الإفلات من العقاب، معتبرة أن غياب المساءلة يشجع على ارتكاب انتهاكات أكبر، سواء في سياق العمل الإنساني أو خارجه.

 

من جهته، يرى صالح الحميقاني أن كثيرًا من المنظمات رضخت لهذه الضغوط بدافع الاستمرار، لكنها في المقابل وقعت في فخ مليشيا الحوثي التي استغلت الموارد والوظائف وتلاعبت بكشوفات المستفيدين.

 

ولفت إلى أن هذا الوضع أدى إلى فقدان بعض المنظمات لحياديتها، وتحولها إلى أدوات تخدم مصالح المشرفين، بل وأحيانًا إلى مصدر لشراء الولاءات، في ظل تدهور اقتصادي واسع واعتماد متزايد للسكان على المساعدات الإنسانية.

 

وشدّدت هدى الصراري على أن المعالجة تبدأ بكسر حلقة الإفلات من العقاب، من خلال إفصاح المنظمات عن الضغوط التي تواجهها، وفرض آليات تحقيق مستقلة في الانتهاكات، إلى جانب تفعيل دور الجهات المعنية في ملاحقة الجرائم، بما يضمن عدم تكرارها ويعيد الاعتبار لسيادة القانون.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows