Arab
استيقظ مهندس إنشاءات، إبراهيم الديب، في مدينة الخبر السعودية على خبر لم يكن عادياً بالنسبة له، بل شخصياً إلى حد الفزع، حيث علم بفشل المفاوضات بين واشنطن وطهران، بما يبشر بعودة العمليات العسكرية واستمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، التي انطلقت منذ 65 يوماً، مهددة دول الخليج. لم ينتظر الديب، هاتَف أخاه في القاهرة فوراً ليسأله عن قطعة الأرض التي كان قد بدأ إجراءات حجزها بالدولار ضمن مشروع حكومي مخصص للمغتربين، طالباً من أخيه التوقّف عن استكمال الأوراق المطلوبة، لخشيته من عدم القدرة على السداد.
اختصر الديب حياته في خطة واضحة تستهدف البقاء مغترباً لعشر سنوات من العمل المستقر في الخليج، لتحقيق حلمه ببناء بيت في مصر، يأوي عائلته فيه ويخرجها من دائرة القلق التي تنتاب الأسر بحثاً عن فرصة سكن، لكن في مكالمة واحدة، بدت هذه الخطة كلها معلّقة على شيء لا قدرة له على التأثير فيه، اسمه "حرب في الخليج". لم يكن خوف الديب من فقدان الوظيفة خلال الأيام المقبلة، بل من شيء أكثر غموضاً جعل ربط أحلامه بها أقل أماناً، حيث يتباطأ العمل في قطاع المقاولات، وترتفع الأسعار التي عجلت بتآكل مدخراته بصمت.
بدأت إشارات حمراء لتداعيات الحرب تتكاثر أمام الديب، فقد رأى عمالاً مصريين عادوا من الإمارات والكويت والبحرين، وفرص العمل الجديدة تتراجع أمامهم في السعودية وقطر، ومشروعات كبرى تؤجل في الخليج، ومصر في انتظار وضوح لا يأتي، ولا تظهر أضواء لنهاية النفق الذي دخلت فيه المنطقة منذ أكثر من شهرين. يدرك الديب في هذه اللحظة، أن فزعه الشخصي تحول من حكاية فردية إلى مرآة لوضع أوسع، تعكس حالة ملايين المصريين في الخليج الذين يواجهون السؤال الصامت نفسه: هل لا تزال الوظيفة التي عملوا من أجلها لسنوات ستحقق لهم الاستقرار العائلي؟
جاء السؤال نفسه الذي حذر منه رئيس البنك الدولي أجاي بانغا، في اجتماعات الربيع نهاية الأسبوع الماضي، حين قال: "إن الوظيفة هي الأداة الأكثر فاعلية للحد من الفقر". لكن ما تكشفه الأزمة الاقتصادية الحالية الناتجة عن حرب الخليج، هو أن هذه الوظيفة نفسها أصبحت رهينة للتقلبات الجيوسياسية، وبالنسبة لمصر، لا يتعلق الأمر فقط بأوضاع العمالة، بل بنموذج اقتصادي كامل، فقد بلغت تحويلات المصريين بالخارج وفقاً للبنك المركزي، نحو 41.5 مليار دولار في 2025، وهو أعلى مستوى تاريخي، لتصبح أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، متقدمة على قطاعات تقليدية مثل السياحة وقناة السويس في بعض الفترات. هذا الاعتماد جعل التحويلات بمثابة "صمام أمان" للاقتصاد، وفقاً لتصريحات حكومية، لكن مع تصاعد التوترات في الخليج، يتضح أن هذا الصمام نفسه قابل للتذبذب والتراجع.
تشير تقديرات وزارة العمل المصرية وأرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن ما يزيد عن 11 مليون مصري يعملون بالخارج، يتركز أكثر من 65% منهم في دول الخليج، أي ما يقرب من 7 ملايين عامل، تستحوذ السعودية على النصيب الأكبر بنحو 3 ملايين، تليها الإمارات، ثم الكويت وقطر، بينما تتوزع أعداد أقل في سلطنة عمان والبحرين والعراق، أما خارج منطقة الخليج وتحديداً الأردن فيوجد بها ما يزيد عن 800 ألف مصري. هذه العمالة تتركز في قطاعات البناء والخدمات والنقل، وهي الأكثر عرضة لأي تباطؤ اقتصادي، أو ارتفاع في التكاليف.
حسب تقديرات البنك الدولي وصندوق النقد، فإن كل زيادة بنسبة 10% في أسعار الطاقة ترفع تكلفة المعيشة في الخليج بنحو 3% إلى 5%، والنتيجة واضحة فقد بدأ الإنفاق يزيد والادخار يقل، بما يؤشر بأن التحويلات الدولارية منه ستقل خلال الفترة المقبلة، وبينما يتباطأ سوق العمل في صمت، لا يظهر التأثير الأعمق في الأسعار فقط، بل في سوق العمل نفسه، حيث لن يتمكن الديب من الحصول على فرصة عمل لأخيه، كان يخطط للفوز بها منذ عام، ليشاركه في بناء مدخرات بيت العائلة. فمع تصاعد المخاطر، بدأت شركات في الخليج، خاصة في قطاعات التشييد والخدمات، تؤجل مشروعات لتقييم التكاليف وتقليص التوظيف الجديد. هذا التباطؤ لا يعني تسريحات فورية، لكنه يخلق بيئة أكثر هشاشة للعمالة الوافدة، خاصة منخفضة المهارة.
يؤكد أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأميركية، ومدير منظمة العمل العربية السابق، إبراهيم عوض، في محادثة تليفونية مع "العربي الجديد" أن استمرار الحرب وغلق مضيق هرمز، سيؤثران سلباً في النشاط الاقتصادي بمنطقة الخليج برمتها، ويتوقع أن يمتد أثر ذلك إلى جميع العمالة الموجودة بها، ومن بينهم ملايين المصريين، مشيراً إلى أن العمالة المصرية تتميز باصطحاب عائلاتها والبقاء لفترات طويلة، قد تمتد لأجيال. كما يشير عوض إلى أن موارد النفط هي مصادر الدخل الأساسية لتمويل النشاط الاقتصادي في الخليج، والتي تساعد تلك الدول على طلب الأيدي العاملة من مصر وغيرها، ومع استمرار حالة الحرب ستتجه تلك الدول إلى تخفيض الأجور أو عدد العمالة نفسها، بما قد يؤدي إلى عودة ملايين العاملين إلى بلادهم، الذين سيحتاجون إلى فرصة عمل وإعادة أبنائهم للمدارس والجامعات.
يذكر عوض أن نقص المعروض من الغاز والبترول جراء توقف التصدير من الخليج والذي يمثل 20% من الواردات العالمية، سيدفع أسعار المحروقات للصعود وخاصة في مصر التي تعتمد على الاستيراد بمعدلات كبيرة، في الوقت الذي تتراجع فيه إيرادات قناة السويس والسياحة لتتولد ضغوط تضخمية كبيرة، ستدفع إلى تآكل مدخرات العائدين من الخارج، وزيادة مصروفات القادرين على البقاء في الخليج، وتزيد الضغوط على المواطنين. ويدعو الخبير الحكومة إلى الإسراع في وضع خطة عاجلة لمساعدة المصريين في الخارج على الاحتفاظ بوظائفهم، تحت الضغوط المعيشية لهم، وفي حالة الاضطرار للعودة على الحكومة أن تكون جاهزة لتوجيههم إلى وظائف مناسبة، وتحسين حالة الاقتصاد، بما يسمح لهم بالاستمرار في العيش بطريقة آمنة ومستقرة، خاصة أن الملايين منهم غير مرتبطين بأعمال في السوق المحلي الذي يعاني من ارتفاع معدلات البطالة، مقابل التوسع في سوق العمل غير المنتظمة.
يتوقع محللون أن تبلغ خسائر عوائد تحويلات المصريين ما بين 4-6 مليارات دولار، خلال العام الجاري، جراء الحرب، في اقتصاد يعاني أصلاً من ضغوط على العملة، فإن هذه الأرقام تمثل صدمة حقيقية، فأي تراجع في التحويلات يعني نقصاً في المعروض من الدولار، بما يؤدي إلى مزيد من الضغط على سعر الصرف، وارتفاع التضخم، وتراجع القوة الشرائية، للأسر المعتمدة على تحويلات الخارج، ولسوق العقارات الذي يقتات على مدخرات المغتربين.
بالرغم من تلك المخاوف، تؤكد وزارة العمل في بيانات رسمية، أن الأوضاع لا تزال مستقرة، مشيرة إلى عدم وجود موجات عودة جماعية حتى الآن، مع متابعة مستمرة عبر مكاتب التمثيل العمالي، مشيرة إلى حرصها على فتح أسواق عمل جديدة، ورفع مهارات العمالة، وتنويع وجهات التوظيف.

Related News
ساوثهامبتون في قلب قضية "تجسس".. هذه تفاصيلها
alaraby ALjadeed
21 minutes ago
افتتاح مقبرتين أثريتين جديدتين في الأقصر
alaraby ALjadeed
31 minutes ago
فيروس إيبولا يتفشى مجدداً في الكونغو الديمقراطية
alaraby ALjadeed
33 minutes ago