Arab
تتجه الأنظار في الصومال إلى يوم 15 مايو/أيار الحالي، موعد انتهاء الولاية الدستورية للرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، والتي مُددت عاماً واحداً في التعديلات الدستورية الأخيرة، وسط تصاعد التوتر بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة، بشأن هذه التعديلات وشكل الانتخابات، إلى جانب غياب مؤشرات واضحة على وجود توافق سياسي ينظم المرحلة المقبلة. وتُعد هذه المرحلة من أكثر المحطات حساسية في المشهد السياسي، إذ لا تتعلق فقط بشخص الرئيس المقبل، بل بمستقبل النظام السياسي الهش في البلاد، وما ينتظره الصومال أمام عام انتقالي يُعدّ صعباً.
ويقف الصومال أمام عام انتقالي يستمر حتى 2027، إذ بعد انتهاء ولاية البرلمان الفيدرالي في 14 إبريل/نيسان الماضي، كان من المفترض إجراء انتخابات رئاسية، وسط تحديات أمنية وسياسية كبرى وانقسامات حول آليات الاقتراع المباشر، إلا أن هذه الانتخابات تأجلت مدة عام، بعدما صوّت البرلمان في مارس/ آذار الماضي، لمصلحة التعديلات على الدستور الصومالي، ما لاقى حينها رفضاً من "مجلس المستقبل الصومالي" المعارض. وبموجب التعديلات، يجري إلى جانب تمديد فترة الرئاسة من أربع سنوات إلى خمس سنوات، انتخاب رئيس البلاد من أعضاء البرلمان بمجلسيه الشعب والشيوخ، البالغ عددهم 329 نائباً، ويُنتخبون مباشرة من الشعب، إلى جانب تحديد سلطة رئيس الدولة في تعيين رئيس الحكومة فقط على أن يُقال أو تُحجب الثقة عنه من البرلمان.
وضع دستوري معقد
وبرأي مراقبين فإنه في حال انتهاء فترة ولاية الرئيس الصومالي من دون التوصل إلى اتفاق سياسي، فإن البلاد قد تجد نفسها أمام وضع دستوري معقد. فالمعارضة أعلنت أنها لن تعترف بأي استمرار في السلطة خارج الإطار الدستوري، بينما قد تمضي الحكومة في إدارة شؤون الدولة بحكم الأمر الواقع، مستندة إلى مبررات تتعلق بضرورة الحفاظ على استمرارية مؤسسات الدولة. وفي محاولة للتخفيف من التحديات التي تنتظر الصومال أمام عام انتقالي قد يشهد مزيداً من الخلافات، أصدر الرئيس حسن شيخ محمود، مساء أول من أمس السبت، دعوة رسمية لانعقاد اجتماع مع أعضاء "مجلس المستقبل" المعارض في 10 مايو الحالي، مستنداً إلى سلسلة من اللقاءات والمشاورات التي أجراها أخيراً مع سياسيين وقادة سابقين وشيوخ عشائر وممثلين عن مختلف فئات المجتمع. ووفق بيان الرئاسة، يهدف الاجتماع إلى فتح نقاش وطني شامل حول القضايا المصيرية، وفي مقدمتها مسار بناء الدولة، والاستحقاقات الانتخابية، وتعزيز الوحدة الوطنية، وتحديد ملامح التوجه السياسي للمرحلة المقبلة. وأكد الرئيس الصومالي أن المرحلة الراهنة تتطلب قدراً كبيراً من التوافق وتقديم التنازلات المتبادلة بين الأطراف السياسية، لضمان أن تكون الحوارات مثمرة وتفضي إلى نتائج عملية. كما شدد على التزام الحكومة الفيدرالية بتعزيز نظام سياسي قائم على الشراكة والتفاهم، مع الحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها واستقرارها، في وقت تواجه فيه الدولة تحديات داخلية معقدة تتعلق بالأمن والسياسة والاقتصاد.
في المقابل، صعّدت قوى المعارضة المنضوية في "مجلس المستقبل الصومالي"، من لهجتها خلال مؤتمر صحافي عقدته في مقديشو أول من أمس، حيث اتهمت في بيان عقب مشاورات واسعة أجرتها مع مكونات المجتمع في إقليم بنادر (جنوب شرقي الصومال)، الحكومة بإدخال البلاد في حالة "عدم يقين سياسي". وأشار البيان إلى ما وصفه بانتهاكات تشمل التهجير القسري ونهب الممتلكات العامة وقمع فئات من الشباب، إلى جانب استخدام مؤسسات الدولة خارج الأطر الدستورية. وأوضحت المعارضة أنها عقدت لقاءات مع شيوخ عشائر وعلماء ونساء وشباب ووسائل إعلام ومنظمات مجتمع مدني، مؤكدة أنها استمعت خصوصاً إلى شكاوى الفئات الهشة التي قالت إنها تعرضت للظلم نتيجة عمليات تهجير وتدمير ممتلكات. كما أشارت إلى أنها أجرت مشاورات مع ممثلين عن المجتمع الدولي، من بينهم الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي وتركيا والأمم المتحدة، في إطار بحث سبل الخروج من الأزمة الراهنة.
وشددت القوى المعارضة في بيانها، على رفضها أي تمديد لولاية الحكم خارج الإطار الدستوري، مؤكدة أن الولاية الحالية للرئيس الصومالي تنتهي في 15 مايو 2026. واعتبرت أنه بعد هذا التاريخ "لن يكون للرئيس صفة دستورية"، مضيفة أنه سيصبح "مواطناً عادياً"، في حال عدم التوصل إلى توافق سياسي حول المرحلة الانتقالية المقبلة. ويتألف "مجلس المستقبل" من وزراء ورؤساء حكومات سابقين والرئيس الصومالي الأسبق شريف شيخ أحمد ورئيسي ولاية بونتلاند سعيد عبد الله دني، وولاية جوبالاند أحمد مدوبي. وتأسس المجلس في نيروبي عام 2025، ولم تحقق المفاوضات التي خاضها مع الحكومة الفيدرالية نجاحاً منذ أواخر ديسمبر/ كانون الأول الماضي، نتيجة تباعد المواقف وغياب الحلول الجذرية لإنهاء التوتر السياسي بين الأطراف الصومالية.
وتتمسك الحكومة الفيدرالية بشرعية الدستور الصومالي المعدل الذي يمدد فترة الرئاسة والحكومة لعام إضافي، إذ تقر التعديلات أن فترة الرئيس الصومالي هي خمس سنوات بدلاً من أربع سنوات، ومن المقرر أن تنتهي منتصف شهر مايو 2027، وهو ما ترفضه المعارضة الصومالية وترى فيه خطوة للتملص من الشرعية الدستورية للحكومة الفيدرالية. وعكس هذا التباين بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة حالة من الشد والجذب السياسي، في وقت حساس تمر فيه البلاد، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الدستورية المرتبطة بنهاية الولاية الرئاسية. ويرى مراقبون أن نجاح أي مسار سياسي في هذه المرحلة سيعتمد كثيراً على قدرة الأطراف المختلفة على الانخراط في حوار جاد يفضي إلى توافقات وطنية شاملة.
ضرورة التسوية السياسية
في هذا الصدد، لا يستبعد الصحافي الصومالي خالد علي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن يتم التوصل إلى تسوية سياسية، حتى وإن جاءت متأخرة، في حال نجح الرئيس الصومالي في عقد جلسة تشاورية مع المعارضة، خصوصاً أعضاء "مجلس المستقبل". وأوضح أن ذلك "من أجل انتقال آمن سلس للسلطة وتمكين البلاد من تنظيم المرحلة الانتقالية وتوفير غطاء توافقي لاستمرار عمل المؤسسات إلى حين إجراء انتخابات". غير أن فرص هذا الخيار، وفق علي، تظل مرتبطة بمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات حقيقية، وهو "أمر لم تتضح معالمه بعد في ظل الخطاب المتشدد من الجانبين".
خالد علي: المؤشرات الحالية أقرب إلى حصول تصعيد سياسي وإعلامي متبادل بعد مرور يوم 15 مايو
وفي رأيه، فإن "المؤشرات الحالية أقرب إلى (حصول) تصعيد سياسي وإعلامي متبادل فقط بعد مرور 15 من مايو الحالي، إذ يسعى كل طرف إلى كسب الرأي العام وتثبيت موقفه"، معتبراً أن "المخاوف تتزايد من انتقال هذا التوتر إلى الشارع، خصوصاً إذا لجأت المعارضة إلى تنظيم احتجاجات في مقديشو، ما قد يضع الأجهزة الأمنية أمام اختبار صعب بين حفظ النظام وتجنب الانخراط في الصراع السياسي". وشدد على أن "التجارب السابقة في البلاد تشير إلى أن مثل هذه اللحظات قد تتطور بسرعة إذا غابت قنوات الحوار".
ووفق علي يظل السيناريو الأكثر خطورة في الصومال أمام عام انتقالي مقبل "في احتمال حدوث انقسام داخل مؤسسات الدولة، خصوصاً الأمنية منها، في حال تصاعد الخلاف السياسي إلى مستويات أعلى"، موضحاً أن "تطوراً كهذا، وإن كان غير مرجح في المدى القريب، يبقى هاجساً حاضراً في بلد عانى طويلاً من هشاشة مؤسساته". في المقابل، ذكر أن بعضهم "يراهن على تدخل الشركاء الدوليين للضغط على الأطراف ومنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، بالنظر إلى أهمية استقرار الصومال في التوازنات الإقليمية". وأشار إلى أن الوضع السياسي غير المستقر "يحتاج إلى مخرج سياسي يجنّب البلاد الانزلاق نحو أزمة أعمق"، مضيفاً أن "المبادرات المطروحة، بما فيها الدعوة إلى حوار وطني، يمكن أن تشكل أرضية للحل إذا توفرت لها الإرادة السياسية والجدية في التعاطي مع جذور الخلاف". كما أن الاتفاق على إطار زمني واضح للانتخابات، مع ضمانات للشفافية ومشاركة مختلف الأطراف، قد يسهم، بحسب علي، في تخفيف الاحتقان واستعادة قدر من الثقة.
الصومال أمام عام انتقالي
من جهته، قال الصحافي والأكاديمي الصومالي أويس حسين عدو، لـ"العربي الجديد"، إن انتهاء فترة ولاية الرئيس الصومالي "لا يمثل مجرد محطة دستورية عادية"، بل يُدخل البلاد في ما يُعرف بـ"العام الانتقالي"، وهي "مرحلة دقيقة وحساسة تتسم بارتفاع منسوب التوتر السياسي وتزايد حالة عدم الاستقرار". وأوضح أنه خلال هذه الفترة، غالباً ما تتعمق الخلافات بين القوى السياسية المختلفة، وتظهر تحديات إضافية تتعلق بإدارة الأوضاع في الصومال أمام عام انتقالي "بشكل يضمن استمرارية مؤسسات الدولة"، مضيفاً أن "تمسك قوى المعارضة بمواقفها، استناداً إلى انتهاء فترة ولاية الرئيس الصومالي، من شأنه أن يفاقم حالة الاحتقان ويهدد الاستقرار السياسي في البلاد".
أويس حسين عدو: اللجوء للشارع في هذه المرحلة الحساسة ليس خياراً حكيماً
وفي رأي عدو، فإن "الدعوة إلى اللجوء للشارع في هذه المرحلة الحساسة ليست خياراً حكيماً، إذ قد تفتح الباب أمام مزيد من الفوضى والانزلاق نحو مواجهات غير محسوبة، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى التهدئة وتغليب لغة الحوار". وأشار إلى أن "إصرار الرئيس الصومالي ورئيس الحكومة حمزة عبدي بري على التمسك بشرعيتهما الدستورية يزيد من تعقيد المشهد، ويعمّق حالة الانقسام بين الأطراف السياسية المختلفة، خصوصاً في ظل غياب أرضية مشتركة للتوافق". وأكد في هذا الإطار أن المسار الانتخابي المقترح، القائم على نموذج "صوت واحد لكل مواطن" (الانتخابات المباشرة)، "لا يحظى حتى الآن بالدعم الكافي من الطبقة السياسية، ما يجعله نقطة خلاف جوهرية وقنبلة موقوتة تهدد بتفجير مزيد من الأزمات إذا لم يتم التوصل إلى صيغة توافقية ترضي مختلف الأطراف وتضمن انتقالاً سلمياً للسلطة".
وتشهد هذه المرحلة (الأوضاع في الصومال أمام عام انتقالي قد يشهد انتخابات وصراعات سياسية) عادة، وفق عدو، أجواء تتسم بـ"التوترات الأمنية، خصوصاً في مقديشو وضواحيها، حيث تتزايد الهشاشة الأمنية نتيجة انشغال الأطراف السياسية بصراعاتها، ما قد يخلق فراغاً تستغله حركة الشباب الموالية للقاعدة لتنفيذ هجماتها". ومع ذلك، شدد على أن "هذه التحديات، رغم خطورتها، يمكن احتواؤها إذا ما توفرت إرادة سياسية حقيقية للتوافق، وتم تعزيز دور المؤسسات الأمنية، وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة".

Related News
إنتر ميلان يخطف كأس إيطاليا ويعانق الثنائية المحلية
aawsat
4 minutes ago
سان جيرمان بطلاً للدوري الفرنسي بثنائية في لانس
aawsat
6 minutes ago