Arab
نجح دونالد ترامب وفريقه في تحويل البيت الأبيض الأميركي إلى أهم مسرحٍ للعبث في العالم، حتى صار كثيرون يجدون صعوبةً في التعاطي مع ما يصدُر عن الرئيس الأميركي من كلامٍ في شؤون العالم باعتباره كلاماً جادّاً في السياسة، حيث يبدو، في معظمه، ارتجالاً عشوائيّاً يمارسه"مونولوجست" يمسك ميكروفون، ويقدّم فقرات مضحكة مرّة كل يوم، وأحيانًا مرّاتٍ كثيرة في اليوم الواحد.
المحير حقّاً أن هذه الحالة الترامبية تجدها ظاهرة على كل من يتبنّى أسلوبه في إدارة العدوان على إيران، من أنظمةٍ لا تتصوّر نفسها قادرة على الحياة إلا في التبعية له والاستجابة الكاملة لكل رغباته، أو أصوات سياسية وإعلامية ممن يطلق عليهم اسم"محلّلين" قفزوا على أدوارهم في التحليل السياسي، واستقرّوا في منطقة تحليل كل ما يفعله أو يقوله ترامب، وتحريم معارضته أو محاولة الوقوف في وجه قوته العسكرية الهائلة، لنجد أنفسنا أمام حالة من محاولة إضفاء الحكمة على أفعاله المجنونة، وتبرير كل ما يرتكبه من جرائم وحماقات، باعتبارها ضرورة لكوكب الأرض.
المنطق الترامبي الأقرب للجنون تجده مجسّدأً في وزير حربه الذي ينافسه في هذيان الغطرسة أو غطرسة الهذيان، حين يتحدّث عن العالم بوصفه مساحة نفوذ أميركية يحقّ لواشنطن أن تفكّه وتركّبه كما تشاء، ولها كذلك سلطة الثواب والعقاب والمنح والمنع، ويكاد يصل بهم الجنون إلى اعتقاد أن لترامب أن يحيي ويميت. كما تجد هذه الغطرسة في الذين يتولون تسويق عقيدة الإجرام الأميركي المقدّس عبر الشاشات العربية من عينة ذلك الشخص العجيب المقيم في ستوديو قناة الجزيرة منذ أكثر من شهرين، يسمونه تارًة نائب رئيس تحرير مجلة نيوزويك، ثم يقدّمونه بعد أسابيع من هذا التوصيف باسم "كاتب العمود السياسي"، والذي يكفي مشاهدته والاستماع له لكي ينسف تلك الصورة الوردية عن جودة التعليم في الولايات المتحدة، إذ يتكلم طوال الوقت وكأنه ينقل حرفيّاً من منصة "تروث سوشيال" التي يملكها ويديرها وينشر عليها منفرداً دونالد ترامب. بالأمس، كانت الصحافية الأميركية، إيرانية الأصل نيجار مرتضوي، تطرح أسئلة بديهية عن رؤية الرئيس الأميركي وأسلوبه في المفاوضات مع إيران وكيف أنه يتصرف في الأمر بعيدًا عن المؤسساتية الأمر الذي يجعل أي اتفاق يوقعه، من منطلق رغبة شخصية، لا يصمد إذ ذهب وجاء غيره على نحو ما فعل هو شخصيّاً مع اتفاق 2015 بين طهران وواشنطن في مرحلة باراك أوباما. وهنا انتقض الأميركي الآخر "الذي يقال إنه كاتب عمود سياسي"، وارتدى وجه ترامب بكل تعبيراته، وراح يتهمها بأنها تردّد كلام الديمقراطيين (الخونة كما يراهم ترامب)، ثم يمعن في الترامبية، ويصل إلى حد اتهامها بالعمالة لنظام وطنها الأصلي إيران على حساب مصلحة البلد الذي تحمل جنسيته.
لا يختلف هذا الأداء الانفعالي المتشنج عن هذيان ترامب المتواصل عن إيران، بين سندمّرهم ونمحو حضارتهم وإنهم بلد عظيم نريده أن ينعم بالتنمية.. وبين أنه انتصر عليهم عشرين مرة على الأقل خلال ستين يوماً فقط وأنه سيوجه لهم ضربات ساحقة تقضي على قوتهم، ناهيك عن الرغبة المجنونة في السيطرة على مضيق هرمز وتسميته "مضيق ترامب"، وهو الأداء الذي بات يثير سخرية العالم من ناحية، والشكوك في سلامته العقلية من ناحية أخرى، وخطورة هذا على أميركا والعالم، إلى الحد الذي جعل موضوع اتزانه العقلي قضية مطروحة للنقاش في الكونغرس، كما حدث في جلسة استماع أمام لجنة القوات المسلحة نهاية الشهر الماضي (أبريل/ نيسان)، حين واجه وزير الدفاع بيت هيغسيث أسئلة مباشرة حول الصحة العقلية للرئيس ترامب، من النائبة الديمقراطية عن ولاية كاليفورنيا، سارة جاكوبس حيث بادرته: هل تعتقد أن الرئيس ترامب مستقرّ عقلياً بما يكفي لقيادة القوات المسلحة؟ وهنا هاج الوزير وماج بالغضب المثير للقلق على اتزانه هو الآخر، ليردّ على النائبة بسؤال: هل وجهتِ أسئلة مماثلةً بشأن الرئيس السابق جو بايدن؟.
هي العقلية الفقيرة نفسها التي تسيطر على خطاب ترامب، حين تسأله عن احترام القانون فيأتي الجواب عن تقديس القوة، وتسأله عن حق البلاد في استقلالها وحرية قراراتها فيردّ بأن لديها من الثروة ما يكفي لتسويغ غزوها ونهبها وقتل قيادتها إن اعترضت! رأس ضخم وعقل صغير، هذا هو الجنون سيقود أميركا إلى حتفها.

Related News
العراق... النفط والتجارة في أدنى مستوى منذ عقود
alaraby ALjadeed
15 minutes ago
ترمب يعلق عملية «مشروع الحرية» في مضيق هرمز
aawsat
29 minutes ago
تصعيد إيراني تحت سقف الهدنة
aawsat
47 minutes ago
الرئيس اللبناني يتعهد العمل لـ«سلام دائم»
aawsat
51 minutes ago
حصص الفصائل المسلحة تعرقل تشكيل الحكومة العراقية
aawsat
52 minutes ago