Arab
منذ تأسيس الولايات المتحدة، صاغت قراراتها الكبرى وفق بوصلة القوة؛ فقد نشأت على حدود مفتوحة، وتشكّل وعيها السياسي على ذهنية "الكاوبوي" التي تختزل العالم في ثنائيات صارمة: خير وشر، شريف ولص، غالب ومغلوب. فلا ترى إلا ما يكفي لإطلاق النار، بينما تبقى السياقات التاريخية والتعقيدات المجتمعية ومآلات الأفعال خارج نطاق الرؤية.
في هذا الأفق الضيق، يُصنَّف "الآخر" خصماً، ويُعرَّف النصر بأنه لحظة الصمت التي تعقب الطلقة الأخيرة، حتى وإن كان صمتاً أبدياً في عالم خالٍ من الحياة.
تحوّل هذا المنطق، مع مرور الزمن، من سلوك فردي إلى عقيدة دولة؛ فغدا التفوق العسكري واجباً، والمقدرة معياراً للشرعية. ومن رحم هذا التصور وُلدت عقيدة "القدر المتجلّي"، محوِّلة "الاستثنائية الأميركية" من شعار وطني إلى مشروع أيديولوجي يبرر التوسع بالقوة، قبل الناعمة، تحت ذريعة تصدير "النموذج الأميركي" بوصفه واجهة للنظام العالمي.
من مبدأ مونرو إلى حصار إيران، ترسخت ملامح الغطرسة الإمبراطورية تدريجياً، تاركة للدبلوماسية دوراً ثانوياً لا يتجاوز "مخرج الطوارئ" عندما تعجز القوة العسكرية عن الحسم.
غير أن التاريخ يعلّم أن ما يبدأ بأوهام الهيمنة المطلقة ينتهي غالباً بإدارة الأزمات، وبينهما تتآكل القوة وتتراجع الهيبة.
فعندما تصطدم هذه الغطرسة بخصوم يصعب كسرهم، تلجأ واشنطن إلى التحول من التصعيد إلى المناورة والحصار. غير أن هذا التكتيك يقود في كثير من الأحيان إلى استنزاف متبادل وتسويات مؤقتة، تُمهّد بدورها لصراعات مؤجلة، في دورة متكررة لإعادة ترميم المكانة.
وقد تجلّى هذا النمط مبكراً في الحرب البربرية الأولى، أو "حرب السنوات الأربع"، حين طالبت طرابلس بمضاعفة رسوم الحماية على السفن الأميركية، ورفضت واشنطن، فأعلن يوسف باشا القرامنلي الحرب. ولم يتردد توماس جيفرسون في إرسال أسطول عسكري عبر الأطلسي، في أول اختبار خارجي حقيقي للقوة الأميركية.
لكن صورة التفوق اهتزت سريعاً، بعدما تصدت القوات القرامانلية للقصف البحري، وبلغت الصدمة ذروتها عندما أسرت البحرية الطرابلسية الفرقاطة "فيلادلفيا" بكامل طاقمها وعتادها.
استمرت المواجهة أربع سنوات من الحصار دون حسم، واضطرت واشنطن إلى تحالفات أوروبية للاستمرار، وفشلت محاولتها لتغيير الحكم بتنصيب بديل. ورغم نجاحها الرمزي في رفع علمها على درنة، فإنها اضطرت لاحقاً إلى الانسحاب ودفع مقابل مالي لاستعادة أسراها، في تسوية حاولت تجنب وصفها بـ"الفدية".
وهكذا انتهت الحرب بتراجع عن هدف "الاستسلام غير المشروط"، رغم إعادة تقديمها لاحقاً إنجازاً سياسياً وعسكرياً.
كشفت التجربة أن التفوق العسكري لا يضمن نصراً حاسماً، وأن الحصار قد يتحول إلى مؤشر على محدوديتها. كما أنه قد يعزز تماسك الخصم ويعيد إنتاج شرعيته
لقد كشفت هذه التجربة المبكرة أن التفوق العسكري لا يضمن نصراً حاسماً، وأن الحصار، بدلاً من كونه أداة قوة، قد يتحول إلى مؤشر على محدوديتها. كما أنه، في كثير من الأحيان، يعزز تماسك الخصم ويعيد إنتاج شرعيته بدل إضعافه.
ولعل المفارقة الأبرز أن الحصار، الذي تستخدمه واشنطن اليوم لإخضاع خصومها، كان أحد العوامل التي ساهمت في نهضتها الصناعية خلال حرب 1812، حين دفعها الحصار البريطاني إلى تطوير صناعاتها المحلية.
من شواطئ طرابلس إلى جبال طهران، تغيرت الجغرافية وتبدلت الأزمنة؛ صعدت دول وتراجعت أخرى. غير أن الولايات المتحدة، رغم تحوّلها من دولة ناشئة إلى قوة عظمى، لا تزال أسيرة ذهنية "الكاوبوي"، التي أعادت إنتاج نفسها بشعارات حديثة مثل "أميركا أولاً" و"MAGA".
وما كان يوماً أداة فعّالة في بناء الدولة، أصبح اليوم عبئاً يزداد ثقله مع تعقيد العالم وتعدد مراكزه، ما يوسّع الفجوة بين بساطة الحلول القديمة وتعقيدات الواقع الجديد.
تتجلى هذه الهوة بوضوح عند مواجهة دول تمتلك تاريخاً طويلاً من الصمود، حيث تتحول كلفة التصعيد إلى عبء يفوق كلفة التراجع، أو القبول بتوازنات دولية جديدة.
ويبدو أن صناع القرار في واشنطن لم يستوعبوا بعد درساً تاريخياً بسيطاً: أن الأمم لا تسقط بفقدان الأرواح أو تهدّم الأسوار، بل حين تتوقف عن التعلم، وتُعرض عن فهم سنن التاريخ.
Related News
ساوثهامبتون في قلب قضية "تجسس".. هذه تفاصيلها
alaraby ALjadeed
16 minutes ago
افتتاح مقبرتين أثريتين جديدتين في الأقصر
alaraby ALjadeed
26 minutes ago
فيروس إيبولا يتفشى مجدداً في الكونغو الديمقراطية
alaraby ALjadeed
28 minutes ago