Arab
عاش معرضُ تونس الدولي للكتاب، هذا الأسبوع، دورته الأربعين. وكان يُفترضُ أن يقف بروّاده أمام حصاد مهمّ من الخبرة، والتراكم، والدروس المستخلصة، واللقاءات الرائعة. والحقّ أنّ هذه الأيّام لم تخل من بعض ذلك، إلّا أنّها عرفت أيضاً إخلالات لا يمكن توقّعها من تظاهرة بلغت "سنّ الرشد". من ذلك حضور الفعاليّات الثقافية بالحدّ الأدني، وكأنّها ضيفٌ ثقيل غير مرحّب به. مثّلت هذه الأنشطة في بعض الدورات قلبَ المعرض النابض، ومنحت الكتب وجوداً ذا معنىً مختلفٍ في أجنحة العارضين. لكنّها قُدِّمت هذه السنة قريبًا من رفع العتَب، بلا خيال، بلا إعداد كافٍ، بلا موارد بشريّة وماديّة كافية، بلا تشويق، بلا دعاية، حتى كادت تدور خفية عن جمهور الكتّاب والقرّاء. ولا يتعلّق الأمرُ هنا بالأسماء، ففيهم من هو علامة في مجاله، ولا بغياب الإمكانات، بل بغياب "القناعة المؤسّساتيّة"، وكأنّ ثمّة رغبة في ترسيخ أمرٍ واقع: "المعرض فضاءٌ لبيع الكتب وليس فضاءً للبرامج الثقافية".
تلك هي العقيدة اللوجستية الراسخة في تصوُّرِ بعضهم: نجاح المعرض يعني مجيء الزوار بما يكفي لتصوير طابور أمام المداخل. وفي مقابل هذا، ينكر المنظّمون أيّ إخلال، باستثناء "إخلالات تنظيميّة طفيفة"، لا يتحمّل وزرها أحد، وينسبونها دائماً إلى صعوبات البلد أو الظروف العالميّة، إلخ. هذا الإدراك الكرنفالي لمفهوم النجاح، لا ينجح في شيء: لا في تحويل معرض الكتاب إلى ما يُشبه "المول" الذي يستجيب لطموحات التاجر والمتسوّق، ولا في إشباع رغبة المثقّف والقارئ. ولا مخرج من هذا الخلل المزدوج إلّا بإعطاء القوس باريها، كي تصبح التظاهرة طقسًا جماعيًا يعيد وصل المجتمع بذاته في العالم، لا مجرّد سوقٍ للكتب. والحقّ أنّ الإخلالات التنظيميّة هي الأقلّ شأناً في هذا السياق، إذ بالإمكان تجاوزها لو توفّر الجوهر. المعرض متاهة جميلة. وإذا كان لا بدّ من قدرٍ أدنى من "التنظيم" حتى في المتاهة، فإنّ بالإمكان تحسين الظروف التنظيميّة من دون تحقيق معرضٍ ناجح. لا يُقاس نجاحُ المعرض بالتنظيم فحسب، بل بسعة الخيال التي تثبتها هندسته، بلحظات اللقاء غير المتوقّعة بين القارئ والكتاب التي يصنعها، بتلك المصادفات التي يفتح لها أفقًا جديدًا خارج "فقاعة الفلتر"، حيث يُعاد إنتاج ذوق القارئ بدل توسيعه. المطلوب أن يقوم المعرض على مبدأ الحوار والتجاور المعرفي، وأن يتيح اللقاء بكتّاب وكُتُب من مجالات مختلفة، في تماسٍّ مباشر، منتجًا ما يمكن أن نسمّيه "الصدمة المعرفية".
تقوم هذه "الصدمة" على التيه المنتج، داخل أروقة المعرض، ضمن "فوضى مُنَظّمة"، تصنع الفارق بما توفّره للعارض والزائر من خيارات: لقاء هنا، ندوة هناك، حوار في هذا الجناح، توقيع في تلك القاعة. وليس من الجديّة في شيء، قولُ البعض إنّ تكثيف الأنشطة الثقافية قد "يُشوِّش" على الزوار، وإنّ "الكراسي الفارغة" في الفعاليّات حصيلةُ "تعدّد" الأنشطة و"توازيها"، ما يربك المرتادين من قرّاء ومثقّفين، فإذا هم في حيرة من أمرهم. هذه دعوى يسهل الاهتداء إلى بطلانها ما إن ننظر إلى ثراء البرنامج الثقافي في معارض القاهرة، والرياض، والرباط، إلى آخر القائمة. وهذه حجّةٌ عجيبة، تقوم على اعتبار زائر المعرض التونسيّ كائناً استثنائيّاً، معادياً لحريّة الاختيار، ولا بدّ أن نحميه من "الوفرة الثقافيّة"، لأنّه يزور معرض الكتاب بنيّةٍ ذات بُعدٍ واحد، وكُلُّ فكرةٍ "تعدّديّة" تُصيبه بالدوار. هذا التصوّر الوصائي المُقنَّع بلغة الرعاية، هو في الحقيقة إنكارٌ لذكاء المواطن واستخفاف بقدرته على التعامل مع الحريّة ككلّ. وقد كذّبته دوراتٌ سابقة من معرض الكتاب التونسيّ نفسه. والحقّ أنّ الكاتب والكتاب والقارئ لا يحتاجون إلى دكّانٍ ضخم، بل يحتاجون إلى فضاءٍ يقتنع فيه الجميع بأن القراءة فعلٌ حيٌّ، يصنعه أناسٌ أحياء، في حوارٍ حيّ، مع أفكارٍ تستحق أن تُعاش. من هنا، يبدو لنا أن الجيل القادم من معارض الكتاب مدعوٌّ إلى ابتكار نموذجٍ ثالث: فضاء ديمقراطيّ للجمال والمعنى، تلتقي فيه الكتبُ بالعقول والوجدان، في غياب كلّ أنواع الوصاية. ويحتاج هذا النوع من المعارض إلى حضنٍ مؤسسيّ يُؤمن بأن إنقاذ القراءة هو إنقاذٌ للبشر من أنفسهم: من سطحيّتهم المختارة، ومن انشغالهم الطوعيّ بما لا يُغذّي السؤال ولا ينشّط الخيال. معرضُ الكتاب ليس دكّاناً، إنّه باب مشرّع على احتمالات الأفق.

Related News
عون يطرح «هدنة بلس» وإنهاء العداء... والسلام مؤجَّل
aawsat
11 minutes ago
حاكم دارفور: «الدعم السريع» ارتكبت أكبر الجرائم
aawsat
14 minutes ago
السعودية تُحرّك العقارات الراكدة برسوم جديدة
aawsat
16 minutes ago
حكومة الزيدي أمام اختبار الثقة اليوم
aawsat
18 minutes ago