مسار العدالة الانتقالية في سورية: مخاطر تبعات التأخير
Arab
3 days ago
share
انتقل ملف العدالة الانتقالية إلى صلب الاهتمام والحديث الوطني في سورية، ولا سيّما بعد بدء محاكمة عاطف نجيب، أحد الرموز من حقبة نظام بشار الأسد مؤخراً، فيما بدا أنه يمكن أن يكون على مستوى آمال الشارع؛ الذي يُبدي مخاوف من تمييع هذا الملف الحقوقي والقضائي والسياسي، ما قد يفتح الباب أمام مخاطر جدية على السلم الأهلي الهش. وشكل اعتقال أمجد اليوسف، المتهم الأول في ارتكاب مجزرة حي التضامن الدمشقي، والتي قتل فيها مئات المدنيين في عام 2013، اختباراً إضافياً للإدارة السورية الجديدة في مسار العدالة الانتقالية التي شُكّلت من أجلها "هيئة وطنية"، لم يلمس الشارع السوري حتى اللحظة أي خطوات أو إجراءات عملية تؤسس لاستراتيجية متكاملة لمقاربة هذا الملف المعقّد والمتعدد المسارب والمسارات.  ولم تكن جلسة المحاكمة التي اقتصرت على مسائل إجرائية أوائل الشهر الفائت لنجيب، الضابط في الأجهزة الأمنية التي كانت تابعة لنظام الأسد، على مستوى تطلعات الشارع السوري، فقد حملت طابعاً استعراضياً لم تؤسس لمسار مساءلة ومحاسبة على أسس قانونية واضحة. "محاسبة رموز حقبة الأسد واجب وطني وقضائي"، يقول عدنان السيد وهو صاحب بقالية في حي الشيخ سعد في العاصمة دمشق، في حديث مع "العربي الجديد". وأضاف أن التأخير في انطلاق مسار واضح للعدالة الانتقالية "يراكم كل يوم احتقاناً في نفوس الناس، خاصة ذوي الشهداء والمصابين والمهجرين. لم نعد نطيق رؤية ضباط كانوا في مراكز القرار في الجيش والأجهزة الأمنية خلال حقبة نظام الأسد، يتجولون في الشوارع بلا مساءلة او محاسبة".  وأشار السيد، إلى أن الحكومة "تأخرت في تقديم الموقوفين لديها منذ أكثر من عام إلى المحاكم"، مضيفاً أن الشعب يريد محاكمة من أجرم بحقه، متابعاً: "تمييع هذا الأمر ستكون له تبعات خطيرة على السلم الأهلي في البلاد، ويفتح الباب أمام عمليات ثأر شخصية تؤسس لفوضى أمنية". وعمّقت مقاطع فيديو سُرّبت قبل أيام تظهر تعرّض مدنيين لعمليات تعذيب واسعة النطاق في مستشفيات عسكرية خلال سنوات الثورة، مشاعر الاستياء لدى القطاع الأوسع في الشارع السوري، ما دفع الكثير من النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي إلى حث الحكومة على القيام بخطوات واسعة في مسار العدالة الانتقالية لتدارك انفجار مجتمعي بدأ يلوح في أفق قريب.  ظروف خاصة وفي رأي الخبير بمجالات الحوكمة، زيدون الزعبي أن سورية "لم تتأخر في هذا المسار على الإطلاق"، بالقياس لتجارب دول مماثلة، مشيراً إلى أن "الحرب الأهلية انتهت في رواندا سنة 1994 وبدأ مسار العدالة الانتقالية بعد ذلك بسنوات". ولكنه رأى أن سورية "تمر بظروف خاصة يمكن أن تدفع البلاد مجدداً إلى العنف، لذا يجب الاستعجال في ملف المساءلة والمحاسبة وجبر الضرر". وفي رأيه، أن السلم الأهلي في سورية "كان وما يزال مهدداً"، مضيفاً: "نحن بلد هش يمر بظروف اقتصادية سيئة جداً، ولدينا ضعف شديد في الحوكمة وهناك أجزاء من البلاد ما تزال خارج سيطرة الدولة". وطالب الزعبي أن يكون أول قانون يقر في مجلس الشعب القادم هو القانون الذي وضعت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، مسوّدة له ما تزال تنتظر التئام هذا المجلس من أجل إقراره والعمل به، ولا سيما لجهة المحاكمات المتوقعة لرموز حقبة نظام الأسد.  تحذير من انفجار مجتمعي من جانبه، رأى الباحث السياسي أحمد القربي في حديث مع "العربي الجديد"، أن هناك تبعات خطيرة لتأخير انطلاق مسار العدالة الانتقالية "أبرزها المرتبطة بالانفجار المجتمعي ولا سيما في مجتمع الضحايا". وتابع القربي: "جزء كبير من هذا المجتمع فاعل داخل السلطة، لذا أثره يكون مضاعفاً خاصة لجهة عدم الاستقرار". وفي رأيه أن التأخير "سيؤثر على السلم الأهلي ويزيد من مخاطر الانفجار، ويؤخر استقرار السلطة في البلاد"، مشيراً إلى أن "عدم الاستقرار في المجال السياسي سينعكس سلباً على المسار الاقتصادي في البلاد، فالاستثمارات وعودة الأموال من الخارج تحتاج إلى استقرار". كما أشار إلى أن التأخير "سبب رئيسي لضياع الأدلة، ما يعزز قدرة البعض على الإفلات من العقاب، ولا سيما من الصعب استرداد بعض الأدلة مع مرور الزمن". ومنذ إسقاط نظام الأسد، أوقفت الإدارة السورية عدداً كبيراً من المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم إبادة جماعية، من بينهم ضباط برتب رفيعة كانوا من الأركان العسكرية والأمنية الرئيسية لنظام الأسد. وشُكّلت في مايو/أيار 2025، هيئةٌ مستقلة باسم الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، من مهامها: كشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة التي سبَّبها نظام الأسد، ومساءلة المسؤولين عنها ومحاسبتهم بالتنسيق مع الجهات المعنية، وجبر الضرر الواقع على الضحايا، وترسيخ مبادئ عدم التكرار والمصالحة الوطنية.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows