Arab
لم تستغرق الزيارة وقتًا طويلًا، لكن بدا لي أنّ الزمن فيها يتحرّك بإيقاع مختلف. غرفة بيضاء. ضوء ثابت. جهاز يقيس بصمت. وأسئلة تُطرح بنبرة مُعتادة: كيف النوم؟ كيف الضغط؟ هل هناك ألم؟ أجيب كما اعتدت؛ بإجابات تحاول أن تكون دقيقة وواضحة، لا تحمل قلقًا ولا تحتاج إلى شرح. كان كلّ شيء يسير بانسياب مُريح، كأنّ الجسد يعرف هذا الطريق جيّدًا.
أرقام ملوّنة وشاشات مُضيئة والطبيب يمرّ بعينيه على كلّ هذه الارقام بسرعة الواثق. يلتفت إلى حزمة أوراق بيده. لحظة صمت قصيرة بالكاد يمكن ملاحظتها. ثم قالها وهو يرفع نظره:
"كل شيء طبيعي".
كانت جملة خفيفة، تُقال يوميًا لمئات الأشخاص، لكن حين سمعتها شعرت أنّها أخذت مساحة أكبر من صوتها. توقّعت أن تمرّ كما تمرّ دائمًا، أن تُغلق الزيارة بنعومة، وأن أخرج بالاطمئنان نفسه الذي أعرفه. ابتسمتُ وهززتُ رأسي. شكرته كما يفعل أيّ شخص سمع ما يريد أن يسمعه. لكن بينما كنت أرتدي معطفي شعرت أنّ الكلمة لم تنتهِ عنده. "طبيعي" لكن ليس كما كان. لم يقلها الطبيب لكنها استقرّت داخلي بهذه الصيغة.
"طبيعي" لكن ليس كما كان. لم يقلها الطبيب لكنها استقرّت داخلي بهذه الصيغة
في الممرّ، كان الضوء الأبيض كما هو. وخطواتي تُصدر الصوت نفسه على الأرض المصقولة. لا شيء استثنائي في المكان ولا شيء يستدعي الانتباه. ومع ذلك كان هناك إحساس خفيف بأنّني خرجت بشيء مُختلف عمّا دخلت به. ليس قلقًا ولا شكًا، بل نوع من اليقظة الهادئة.
جلست في السيارة قبل أن أشغّل المحرك. وضعت يدي على المقود وشعرت ببرودته أولًا. ثم بدأت الحرارة تتسلّل إليه ببطء. لاحظت أنّ أنفاسي أعمق قليلًا وأبطأ وكأنّها وجدت إيقاعًا أكثر راحة من دون أن أطلب منها ذلك. لم يكن السؤال: هل أنا بخير؟ بل: ماذا يعني أن أكون طبيعيًا الآن؟
في سنوات سابقة كانت الإجابة واضحة. تكاد تكون ثابتة. الطبيعي هو أن تبقى كما كنت. أن تحافظ على نفس الطاقة، نفس السرعة، نفس القدرة. أما الآن فقد بدا الأمر أوسع من ذلك. كأنّ الجسد لا يطلب منك أن تعود إلى نقطة سابقة، بل أن تتحرّك معه، تتقدّم إلى شكل جديد من التوازن.
كان هناك إحساس خفيف بأنني خرجت بشيء مختلف عمّا دخلت به. ليس قلقًا ولا شكًا، بل نوع من اليقظة الهادئة
لم أشعر بأنني فقدتُ شيئًا. لكنّني أدركت أنّني لم أعد نفس النسخة التي كانت تدرك معنى هذا التعريف بصيغة ثابته وهادئة. وفي ذلك لم يكن هناك ما يستدعي القلق، بل شيء أقرب إلى الفضول وربّما الامتنان.
في المساء، حين جلست وحدي. بدأت ألاحظ أشياء لم أكن ألتفت إليها من قبل؛ طريقة جلوسي، كيف يستقرّ ظهري على الكرسي، كيف تتحرّك أنفاسي من دون جهد وكيف تتشكّل لحظة الصمت بين فكرة وأخرى من دون أن أملأها فورًا. لم تكن هذه إشارات ضعف، بل إشارات حضور، كأنّ الجسد لا يتراجع بل يتعايش مع موقعه بطريقة أدق وأكثر مرونة وتقبّلًا للتغيير.
ربّما هذا ما يحدث مع الوقت. لا ينهار الجسد ولا يخونك فجأة، بل يغيّر لغته. يخفّف السرعة هنا، يطلب انتباهًا هناك، ويُعيد ترتيب أولوياته بهدوء لا يحتاج أن يُعلن عن نفسه. وبحكم ما أعرفه علميًا، لم يكن هذا غريبًا، فالأنظمة لا تعمل بنفس الشدّة إلى الأبد، لكنها لا تتوقّف أيضًا. هي فقط تُعيد تنظيم نفسها، تتكيّف مع التغيير بصيغه المُتعدّدة. إنّها تبحث عن كفاءة مُختلفة، عن استمرارية أذكى. لكن ما كان جديدًا هو أنّني لم أعد أقاوم هذا التغيّر، بل بدأت أستمع إليه، وأبني عليه تفاصيل جديدة.
لم أعد أقاوم هذا التغيّر، بل بدأت أستمع اليه وأبني عليه تفاصيل جديدة
في اليوم التالي، لم أفعل شيئًا استثنائيًا. ذهبت إلى عملي. تحدّثت، تحرّكت، وشاركت كما أفعل دائمًا. لكن الفرق كان في الطريقة. لم أعد أتعامل مع الجسد كشيء يجب أن يعمل بأقصى طاقته طوال الوقت، بل كشيء أتحرّك معه، أفهمه وأضبط إيقاعي على إيقاعه، لا العكس.
لم يكن ذلك تراجعًا، بل نوعًا آخر من القوّة والثبات، القوّة التي لا تقوم على التحدي المستمر، بل على التوازن.
حين قال الطبيب "طبيعي"، لم يكن يقصد أنّ كلّ شيء كما كان. ربما كان يقصد ومن دون أن يقول إنّ التغيّر نفسه جزء من "الطبيعي". وكان ذلك أكثر طمأنينة ممّا توقّعت.