Arab
قبل شهور قليلة، وتحديداً قبل اندلاع الحرب في المنطقة يوم 28 فبراير/ شباط الماضي، كانت البنوك المركزية في الاقتصادات الكبرى بمعظمها قد شرعت في خفض معدلات الفائدة في ظل إشارات واضحة إلى تراجع التضخم الذي نجم عن قفزة أسعار الطاقة على أثر الغزو الروسي لأوكرانيا، وقبله تداعيات جائحة كوفيد.
لكن النظرة التفاؤلية لهذه البنوك انقلبت رأساً على عقب بعد الحرب وغلق مضيق هرمز الذي أدى إلى أزمة في إمدادات الطاقة تعتبر وكالة الطاقة الدولية الأخطر في العصر الحديث، وبدلاً من مناقشة حجم التخفيضات في أسعار الفائدة كما حدث في الولايات المتحدة وبريطانيا، باتت البنوك المركزية تتحدث عن رفع الفائدة تحسباً لموجة تضخم ممتدة تحت تأثير ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة ومتطلبات الإنتاج الصناعي الأخرى.
وقد تزايدت هذه التوجهات التشاؤمية في الأسبوع الماضي بعدما تحدث بنك إنكلترا (المركزي البريطاني) عن احتمالية رفع الفائدة ضمن زيادات مطردة هذا العام إلى ما يصل إلى 5.5% في حال استمرار صعود أسعار النفط فوق 120 دولاراً للبرميل، ما قد يدفع التضخم إلى 6%، وهو ما سيتجاوز بفارق كبير مستهدف البنك عند حدود 2%.
الأمر نفسه يعتمل في أروقة مجلس الاحتياطي الفيدرالي (المركزي الأميركي)، الذي كانت قيادته قبل الحرب تحت ضغوط واتهامات متكررة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإدارته، بتقاعسها عن خفض الفائدة، بوصفه مطلباً جماهيرياً يدعم النمو ويخفف عبء المدفوعات عن ملاك المنازل.
خفتت ضغوط ترامب، وتحول الجدل الداخلي في مجلس الاحتياطي الفيدرالي من موعد استئناف خفض الفائدة إلى الحديث عن الشروط التي قد تستدعي رفعها. وحسب تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال اليوم السبت، فإن هذا التحول تجلى بوضوح أمس الجمعة، عندما أصدر ثلاثة من رؤساء البنوك الإقليمية في الاحتياطي الفيدرالي بيانات أوضحوا فيها أسباب اعتراضهم على صياغة كانت ترجح خفضاً قادماً للفائدة.
وبالتزامن مع تصريحات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي المنتهية ولايته جيروم باول يوم الأربعاء، تكشف هذه الاعتراضات عن لجنة تمر بمرحلة انتقالية من ثلاث مراحل في كيفية الإشارة إلى مسار أسعار الفائدة، من التلميح إلى الخفض، إلى الحياد، ثم إلى احتمال الرفع. وأوضح باول المراحل يوم الأربعاء قائلاً: "سنتجه إلى موقف يميل إلى رفع الفائدة إذا كنا نريد رفعها، وسنتحول إلى موقف محايد قبل ذلك".
وخلال جلسة الأربعاء، أقر باول بأن زملاءه أجروا "نقاشاً حاداً" حول حذف عبارة أساسية من بيان السياسة النقدية، كانت تشير إلى أن المزيد من خفض الفائدة أكثر احتمالاً من رفعها. وهذه العبارة، حول "مدى التعديلات الإضافية وتوقيتها" في أسعار الفائدة، ظهرت في كل بيان منذ بدء خفض الفائدة في 2024.
ويعود هذا التحول إلى إدراك متزايد بأن الاحتياطي الفيدرالي قد لا يتمكن من تجاهل صدمة الطاقة بالطريقة التي تعامل بها مع صدمات العرض السابقة. فمع إغلاق مضيق هرمز عملياً، لا يمكن بسهولة وصول النفط والسلع المنتجة في الشرق الأوسط إلى الأسواق العالمية عبر طرق بديلة، كما قد تتعرض البنية التحتية للإمدادات لأضرار تحتاج وقتاً لإصلاحها حتى بعد استئناف الشحن. وعلى عكس الزيادات السعرية المؤقتة، فإن الإغلاق الممتد يعني أن ارتفاع تكاليف الطاقة قد يستمر لأشهر، ما قد ينعكس على أسعار أوسع وعلى توقعات التضخم لدى الأسر والشركات.
وحسب تقرير وول ستريت جورنال، تكمن المشكلة في الجانب الفني: فقد خفّض الاحتياطي الفيدرالي الفائدة بمقدار 0.75 نقطة مئوية العام الماضي على أساس أن ضغوط التضخم الناتجة عن الرسوم الجمركية ستتراجع. لكن مع إضافة صدمة الخليج الآن، ارتفع التضخم بينما بقيت السياسة النقدية ثابتة، ما يعني فعلياً تيسيراً غير مقصود.
ضغوط التضخم على الاقتصاد الأوروبي
لا يختلف الأمر كثيراً في منطقة اليورو عن مواقف بنك إنكلترا والاحتياطي الفيدرالي، فبعد إبقاء المركزي الأوروبي على سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه الأسبوع الماضي، يتزايد الحديث عن توجه لرفع الفائدة خلال العام الحالي ضمن استجابة البنك لأزمة أسعار الطاقة. وقال أولي رين عضو مجلس محافظي البنك في تصريحات صحافية اليوم السبت: من الواضح أن السياسة النقدية يجب أن تتفاعل بسرعة مع أي مؤشرات على ترسخ التضخم في الاقتصاد عبر ارتفاع الأجور والأسعار.
ونقلت بلومبيرغ اليوم عن مصادر مطلعة، عقب قرار الفائدة الصادر يوم الخميس، أن صانعي السياسات في البنك المركزي الأوروبي يرجح أن يرفعوا أسعار الفائدة في اجتماعهم المقبل في يونيو/ حزيران، ما لم تحدث تطورات إيجابية في أسعار الطاقة أو في إنهاء الحرب في إيران.
وكانت رئيسة البنك كريستين لاغارد قد ألمحت في اليوم نفسه إلى أن البنك قد يدرس رفع تكاليف الاقتراض في يونيو، بعد أن ناقش ذلك ورفضه في اجتماع الخميس، حيث أبقى على سعر الفائدة على الودائع عند 2%. ومن المتوقع أن يحصل المسؤولون على توقعات اقتصادية محدثة في الاجتماع المقبل، حيث يرى اقتصاديون ومستثمرون أنهم قد يتجهون إلى رفع بمقدار ربع نقطة مئوية.

Related News
«حرب إيران» تزيد متاعب «القطاع الخاص» المصري
aawsat
11 minutes ago
فوائد التمدد الصباحي: كيف يوقظ جسمك بلطف؟
aawsat
13 minutes ago