Arab
هدّد وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في 27 الشهر الماضي (إبريل/ نيسان)، بـ"حرق أرز لبنان". والأرجح أنّ هذا التهديد يستند إلى عناصر وركائز تاريخية ـ دينية كارهة للأرز اللبناني، وتُحرِّك البنية العقائدية لدى المستوى السياسي في دولة الاحتلال الإسرائيلي، رغم إقرار نصوص التوراة باستخدام خشب الأرز في بناء هيكل سليمان. ويستدعي هذا الوعيد المصوّب نحو الجذور اللبنانية تهديداً بتقويضها تسليط الضوء على الحضور القوي للأرز اللبناني في الثقافات القديمة، الكنعانية والرافدية والفرعونية، وهي الثلاثية المتّصلة جغرافياً وحضارياً، لإظهار غايتَين، إحداهما متصلة بموقع أرز لبنان في تشييد المعابد في مرحلة ما قبل التوراة، ما يُسقط عنها دعوى الأسبقية، وتلك من الأسباب التي جعلتها تخوض صداماً إيديولوجياً قاسياً وتكفيرياً مع الثلاثية المذكورة، والأخرى ترتبط بإسقاط أوصاف الطاغوت والاستكبار والشموخ على الأرز، ما يوجب حرقه، وهو الفعل نفسه الذي اعتمده يسرائيل كاتس في معرض تهديده المستجِدّ للبنان.
لعلّ ملحمة جلجامش هي أقدم ما اختزنه الأدب العالمي عن العلاقة بين الأرز اللبناني وبناء المعابد، وهذه الملحمة التي دُوِّنت بين أوائل الألف الثانية و1500 قبل الميلاد، وفقاً للعلّامة العراقي طه باقر، تسبق التوراة بما لا يقلّ عن 1200 سنة، وفي ألواح الملحمة إسهاب في سرد الرحلة الشاقّة لبطلها "جلجامش" وصديقه "أنكيدو"، من مدينة أوروك في القسم الجنوبي لبلاد الرافدين إلى جبال الأرز في لبنان لمقاتلة "خمبابا"، حارس الغابات. وحين تصارع الجمعان "اهتزّت جبال لبنان الشرقية والغربية"، كما يشرح نائل حنّون (أستاذ فلسفة اللغة الأكادية)، مستنداً إلى نصوص الملحمة في كتابه "ملحمة جلجامش" (دار الخريف للنشر والتوزيع، دمشق، 2006).
بعد النيل من "خمبابا"، انتشى جلجامش بنصره، وجال في غابات الأرز، "وهناك اكتشف المقام السرّي للآلهة، وخاطب جلجامش أنكيدو بقوله بعد أن قطعا أخشاباً من غابة الأرز، إنه سيصنع باباً بارتفاع ستّ قامات وعرض قامتين وسمك ذراع واحدة، وإنه سيجعل ذلك الباب بأكمله قطعة واحدة وينقله عن طريق نهر الفرات إلى معبد الإله إنليل". وفي النص الحرفي للوح الخامس من الملحمة، كما جاء في كتاب حنون: "وقفا يتأملان الغابة/ بشجر الأرز يحدّقان ملياً وبارتفاعه/ رأوا في جبل الأرز مقام الآلهة وعرش الإلهة أرنيني (عشتروت)/ لقد هزّوا بدورانهم جبال سريون ولبنان/ قال أنكيدو لجلجامش: اضربه (خمبابا) ثانية/ سمع جلجامش كلمة رفيقه فأخذ بلطته بيده/ طعنه في نحره/ اكتشف مقام الآلهة المكتوم/ فتح أنكيدو فاه ليتكلم (و) يقول لجلجامش: يا صديقي قطعنا شجرة أرز باسقة/ سأصنع باباً 36 ذراعاً ارتفاعه، 12 ذراعاً عرضه، ذراعاً واحدة سُمْكه/ عسى ألا يقترب منه غريب/ عسى أن يحبه الإله/ إلى معبد إنليل على الفرات سأحمله".
بعد النيل من "خمبابا"، انتشى جلجامش بنصره، وجال في غابات الأرز، "وهناك اكتشف المقام السرّي للآلهة.."
وفي "التاريخ من باطن الأرض... آثار وحضارات وأعمال ميدانية" (مطابع شركة الأديب، عمّان، 2009)، لعالم الآثار العراقي بهنام أبو الصوف: "لقد جلب العراقيون أنواعاً من الأخشاب من الخارج للبناء، وأخشاب الأرز كانت تُجلب من جبال لبنان منذ الألف الثالث قبل الميلاد لاستخدامها في تشييد المعابد والقصور، وقصّة رحلة البطلين جلجامش وأنكيدو إلى غابة الأرز المحفوفة بالمخاطر وقتلهما الوحش الرمزي خمبابا دليل واضح على اهتمام العراقيين الواسع بهذه المادة وبمصادرها في جبال لبنان، إذ قد خُصِّص لهذا الجزء من القصة ركن بارز في ملحمة جلجامش المعروفة". وفي كتاب "عظمة بابل" (1962)، لهاري ساكز، ورد أنّ الآشوريين كانوا يستخدمون خشب الأرز في بناء المعابد. وفي "نقوش آرامية من (دور كَتْليمو) في سوريا" (الجمعية التاريخية السعودية، الرياض، 2015)، لفاروق إسماعيل، المتخصّص في فقه اللغات السامية، نقرأ: "كان شلمان أو سلمان المعبود الأساسي في مدينة دير كتليمو (الشيخ حمد حالياً بالقرب من مدينة دير الزور) وله معبد فيها، وثمة نقوش للملك الآشوري أدد نيراري الثالث (811 ـ 793 ق. م) تشير إلى وجود المعبد قبله، وقيامه بترميم كلي له، وإلى أنه أحضر من أجل تغطية سقفه جذوع شجر الأرز من جبال لبنان".
وبالانتقال إلى مصر، يتحدّث أبو التاريخ المصري مانيتون (270 قبل الميلاد) في "الجبتانا" عن العلاقة المقدّسة بين مصر ومدينة جبيل اللبنانية، وينقل ما دوّنته المعابد المصرية عن عمق تلك العلاقة الغائرة في بطون التاريخ، ويروي كيف زار الملك المصري المقدَّس أوزيريس، بصحبة زوجته إيزيس، تلك المدينة الفينيقية، و"وحين قُتل أوزيريس وتقطّع إرباً، انبثقت فوق أجزاء جثته (شجرة أرز مباركة)".
ملحمة جلجامش أقدم ما اختزنه الأدب العالمي عن العلاقة بين الأرز اللبناني وبناء المعابد
وبحسب كتاب "مصر والشرق الأدنى القديم" (1963، دار المعارف، القاهرة)، لعالم الآثار المصري نجيب ميخائيل إبراهيم، تشير الأساطير الدينية إلى أنّ "الصندوق الذي عُثر فيه على جسد أوزيريس، رسا على الشاطئ الفينيقي عند بيبلوس (مدينة جبيل)، ولئن كانت الأساطير قد سُجِّلت في زمن متأخر جداً عن العصر الذي حدثت فيه (القصة)، فإن حقيقة معينة لا تزال تشير إلى لون ثابت من ألوان العلاقة بين مصر والساحل السوري، لا في العصور التاريخية، بل منذ العصر الذي عُمِّر فيه وادي النيل، والنصوص المصرية عن هذه الحقبة البعيدة تشير دوماً إلى قيام علاقات تجارية وطيدة، تسعى مصر فيها إلى استيراد الأخشاب التي تعوزها لبناء سفنها وبوابات معابدها، وتبعث بدلاً منها بمنسوجاتها وخزفها". ويقول المؤرّخ اللبناني فيليب حتّي، في كتابه: "تاريخ سورية ولبنان وفلسطين" (دار الثقافة، بيروت، 1951)، إنّ "مدينة جبيل كانت مركز تصدير أرز لبنان، المرغوب كثيراً في وادي النيل، وهناك استُخدم الأرز في بناء المعابد والقصور والسفن وفي صنع التوابيت والأثاث الفاخر، وقد استورد الفرعون سنفرو (2750 ق. م) محمول أربعين سفينة من الأرز".
هذَان الحضورَان، الجمالي والقدسي، الطاغيَان للأرز اللبناني في الثقافات والدورات الحياتية القديمة، نظرت إليهما نصوص التوراة من منظورَين متناقضَين، الأوّل يقرّ بتصنيفه مصدر جمال ومهابة، ولأجل ذلك استُعين به في بناء الهيكل المزعوم، والثاني لا يخرج عن جادة إدراجه في دائرة طغيان متعالٍ، ما يوجب تكسيره واقتلاعه. وجاء في المزمور رقم 29 (من سفر المزامير) ما يلي: "صوت الربّ عظيم القوة/ صوت الربّ بهاء كلّه/ صوت الربّ يُكسِّر أرز لبنان/ يُكسِّر الربّ أرز لبنان/ يجعل لبنان يقفز كالعجل/ وحرمون كولد الثور الوحشي"، وفي المزمور رقم 37: "رأيت الشرير متعالياً مثل أرز لبنان"، وبما أنّ الأرزة "تشامخت بقامتها وجعلت رأسها بين الغيوم، سأجعلها في يد أعظم ملك جبار بين الأمم، فيعاملها بما تستحق لأني نبذتها لشرها، فالغرباء من الأمم القساة يقطعونها ويطرحونها في الجبال، فتسقط قضبانها في جميع الأودية وتتكسر فروعها في كل مجاري مياه الأرض".
بعض مفسّري العهد القديم يقولون إنّ في هذه المزامير رموزاً... قول فيه عجب.
