Arab
يوماً بعد يوم، يترسّخ مشهد الانقسام الكبير في لبنان على خلفية قرار الدولة اللبنانية الذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. القرار كان يهدف إلى عصمة لبنان من الحرب القائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، والتي دخل فيها لبنان بقرار من حزب الله لإسناد الجبهة الإيرانية والانتقام لاغتيال المرشد علي خامنئي.
من الواضح أن هذه الغاية ليست واقعية، حتى وإن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب شخصياً وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان. فالحرب لا تزال قائمة، وكل ما تم إنجازه في هذه الهدنة المؤقتة تحييد العاصمة اللبنانية بيروت عن القصف الإسرائيلي، من دون أن يعني هذا عدم تنفيذ قوات الاحتلال عمليات في بيروت في حال رأت أن هناك خطراً قادماً من هذه الجهة. فوقف إطلاق النار المزعوم أطلق يد إسرائيل للعمل على إيجاد "منطقة عازلة" في الجنوب اللبناني في ما بات يسمّى "الخط الأصفر"، مع الحق في تنفيذ عمليات ضد ما تراها أخطاراً مستقبلية ضد القوات الإسرائيلية أو شمال فلسطين المحتلة. هذا هو الثمن الذي على أساسه قرّر الرئيس اللبناني جوزاف عون إطلاق مسار مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، بداية عبر السفيرة اللبنانية في واشنطن تمهيداً لتوسيع قاعدة الوفد المفاوضات، وربما لقاء عون مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بحسب ما وعد ترامب.
أحدث هذا المسار انقساماً حاداً في الداخل اللبناني، وصل إلى أركان الدولة نفسها. فمن المعلوم أن التقسيم السياسي والطائفي في لبنان وزّع السلطات بين ثلاث رئاسات بشكل شبه متساو، رئاسة الجمهورية للمسيحيين الموارنة والحكومة للسنة والبرلمان للشيعة. وإذا كان هناك ما يشبه التماهي بين رئاستي الجمهورية والحكومة في مسألة التفاوض مع إسرائيل، فالأمر ليس نفسه بالنسبة لرئيس مجلس النواب نبيه برّي، الحليف لحزب الله والحريص على وحدة الطائفة الشيعية.
اختار برّي الصمت في بداية مرحلة التفاوض المباشر مع إسرائيل، وهو ما أثار علامات استفهام كبيرة، قبل أن يقرّر رفع الصوت المعارض في وجه الخيار الذي قرّره رئيس الجمهورية، معلناً المعارضة المطلقة للذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. لكن هذا لا يبدو أنه يدفع رئيس الجمهورية إلى العدول عن قراره، خصوصاً بعد كم الإعجابات التي بات يتلقاها من دونالد ترامب.
قد لا تكون هذه المرّة الأولى التي يعيش فيها لبنان مثل هذا الانقسام، فالبلد أساساً قائم على الخلافات والانقسامات وتدوير الزوايا، لكن هذه قد تكون المرّة الأولى، منذ نهاية الحرب الأهلية، التي يخطو فيها كل طرف خطوات عملية على طريق تكريس هذا الانقسام.
والمشكلة الكبرى هنا، واالمفترض أن الحميع يعرفها وفي مقدّمتهم جوزاف عون، أن مسار المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية ومعه وقف إطلاق النار الوهمي، غير معزول عن ملف الحرب الأميركية على إيران وتداعياتها، وما إذا كانت ستُستأنف أو لا. فمهما قدّمت الدولة اللبنانية من تعهدات، ومهما وقعت على اتفاقات، الجميع يعلم أنها غير قادرة على الإيفاء بها، خصوصاً إذا كان الأمر يتعلق بحزب الله وسلاحه.
على هذا الأساس، ما يحاول رئيس الجمهورية، ومعه رئيس الحكومة نواف سلام القيام به شراء بعض الوقت لإبعاد آلة التدمير الإسرائيلية عن أجزاء من لبنان، لكنهما، في الوقت نفسه، يضعان البلاد على مسار صدام داخلي محتوم لا تُحمد عقباه، أو على الأقل إحداث صدعٍ مجتمعيٍّ غير قابل للالتئام.
هو عبث بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فليس من شأن المفاوضات إبعاد لبنان عن تطورات الحرب الأميركية الإيرانية، بل إنها ستعمّق الأزمات الداخلية إلى ما لا يُمكن بعد اليوم إصلاحه.

Related News
«حرب إيران» تزيد متاعب «القطاع الخاص» المصري
aawsat
10 minutes ago
فوائد التمدد الصباحي: كيف يوقظ جسمك بلطف؟
aawsat
12 minutes ago