Arab
عبَر مجموع قوى المعارضة الجزائرية من حالة مقاطعة نشطة وحادة للانتخابات النيابية السابقة التي جرت في يونيو/حزيران 2021، إلى قرار المشاركة الواسعة في الانتخابات النيابية المقبلة المقررة في الثاني من يوليو/تموز المقبل. جبهة القوى الاشتراكية، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، والاتحاد من أجل التغيير والرقي، وكتل سياسية أخرى من اليسار، كحزب العمّال، قرّرت هذه المرة التخلي عن خيار "الكرسي الشاغر"، وتحاجج المعارضة دفاعاً عن موقفها الجديد، بأنه ضرورة "للنضال من أجل الديمقراطية"، على الرغم من استمرار الظروف ذاتها التي تتحكم في العملية الانتخابية في الغالب، وتفاقم تعقيدات الممارسة السياسية مقارنة مع السابق.
حملة جبهة القوى الاشتراكية الشعبية لجمع الاكتتابات تزكية لتقديم قوائم المرشحين، تظهر وجود اندفاع لافت نحو مشاركة جادة
المعارضة الجزائرية تبرّر العودة
لم يسأله أحد من الصحافيين، ولا من كوادر حزبه، لكن السكرتير الأول لجبهة القوى الاشتراكية، يوسف أوشيش، وجد نفسه مضطراً لطرح وتقديم التفسيرات السياسية لقرار الحزب العودة للمشاركة في الانتخابات التشريعية، حيث قال خلال اجتماع المجلس الوطني للحزب، يوم الجمعة الماضي، إن تغير موقف الحزب من المقاطعة إلى المشاركة في الانتخابات النيابية "قرار يستند إلى تغليب المصلحة الوطنية على ما سواها من اعتبارات ضيّقة أو ظرفية، وضمن رؤية واضحة، قوامها إعادة الاعتبار للتمثيل الوطني الديمقراطي وإعادة الاعتبار للممارسة السياسية والالتزام الجماعي". وأضاف أن "انخراطنا في هذا المسار الانتخابي يتم بوعي كامل بالمسؤولية، وهو استمرار لنضالنا الرامي إلى بناء توافق وطني واسع، وقرار لا تحكمه حسابات آنية أو رهانات انتخابية، بل لدعم تحول ديمقراطي فعلي"، معتبراً في الوقت ذاته أنه لم يعد هناك أي مبرر لمقاطعة الانتخابات. وقال حول ذلك: "سياسة الانسحاب أو ما يُعرف بالكرسي الشاغر ليس موقفاً محايداً، بل تعبير عن استقالة تفسح المجال لقوى قد لا تخدم المصلحة الوطنية، وتفتح المجال أمام خطابات تستثمر في معاناة المواطنين من دون تقديم بدائل واقعية، وبلادنا لم تعد تحتمل مزيداً من التعثر الذي يزيد كلفة الأزمات وتعقيداتها، بل هي بحاجة إلى تكريس حرية التعبير والتنظيم والممارسة السياسية والقطع مع منطق شيطنة الأصوات المخالفة والمعارضة".
ولا يُعرف ما إذا كانت قواعد أقدم حزب في الجزائر (تأسس في عام 1963)، والذي يتخذ من فيلا صغيرة قرب قصر الرئاسة الجزائرية مقراً مركزياً له، قد اقتنعت بذلك أم لا، لكن الحملة الشعبية في الولايات لجمع الاكتتابات من الناخبين تزكية لتقديم قوائم المرشحين، تظهر وجود اندفاع لافت نحو مشاركة جادة وسعي فعلي لحصد مقاعد في البرلمان. حتى وقت سابق، لم يكن الناشط السياسي في جبهة القوى الاشتراكية، إيباك عبد المالك، بولاية ورقلة جنوبي الجزائر، مقتنعاً بجدوى الانتخابات، لكنه أوضح لـ"العربي الجديد"، أن "النقاشات التي جرت بين الشباب وداخل صفوف المعارضة، فتحت الباب أمام إجراء مراجعة للموقف السياسي، وقد بدأنا بجمع التزكيات الشعبية لقائمة الحزب في الولاية استعداداً للمنافسة في انتخابات يوليو، ونأمل في تحقيق تغيير يستجيب لتطلعاتنا السياسية".
في انتخابات يونيو 2021، اتخذت جبهة القوى الاشتراكية، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وحزب الاتحاد من أجل التغيير والرقي، وكتل سياسية أخرى من اليسار، قراراً بالمقاطعة، كما لم يكن حزب العمّال متحمساً للاستحقاق. حينها، تبنت قوى المعارضة الجزائرية شعاراً مركزياً حاداً، "لا للانتخابات مع العصابات"، تحت ضغط الحراك الشعبي الذي كان مستمراً، وتأثيرات الحالة الشعبية وجزء من الشارع الذي كان يرفض المسار الانتخابي في تلك الفترة، ويعتبره محاولة لاحتواء الحراك الشعبي، على الرغم من أن السلطة كانت قدمت بعض الضمانات بشأن شفافية الانتخابات، إذ كانت المرة الأولى التي تجرى فيها انتخابات نيابية تحت إشراف كامل من السلطة المستقلة للانتخابات. فإن بعض قواعد أحزاب المعارضة الجزائرية حاولت تعطيل التصويت في بعض المناطق والبلدات، وفي الخارج لدى الجالية.
عثمان الصيد: نعتقد اليوم أن الصوت الحرّ والكلمة الجريئة بحاجة إلى منابر كالبرلمان
ما الذي تغير بين 2021 و2026 بالنسبة للمعارضة؟ بالنسبة لعثمان الصيد، عضو القيادة الوطنية لحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، ثاني أبرز أحزاب المعارضة السياسية في الجزائر التي عادت إلى المسار الانتخابي النيابي، بعد مقاطعتها الانتخابات السابقة، فإنه "في انتخابات 2021، كان الشعب في كامل الحراك، وأخلاقياً بالنسبة إلينا بوصفنا فاعلين، فإن ديناميكية المجتمع كانت في أوج التجنيد، ولم تسمح أخلاقنا بالقفز على ديناميكية المطالبة بتغيير جذري، لكننا نعتقد اليوم أن الصوت الحرّ والكلمة الجريئة بحاجة إلى منابر للدفاع على الحريات وحرية الرأي والسياسة كالبرلمان".
تستبطن هذه الإجابة الطوعية والتبريرات السياسية، وجود بعض الحرج السياسي الذي تواجهه قوى المعارضة إزاء تغير موقفها من الانتخابات، خصوصاً وأن الظروف المحيطة بالانتخابات النيابية المقبلة، تبدو أكثر تعقيداً من انتخابات 2021، من حيث مساحة الحريات والنشاط السياسي والإعلامي، أو ما تصفه البيانات الأخيرة للمعارضة بوجود "سياق وطني يتسم بالانغلاق السياسي وتنامي حالة من العزوف المجتمعي المقلق، ومناخ لا يهيئ لقيام منافسة ديمقراطية حقيقية ويعقّد من مهام الفاعلين السياسيين". لكن من وجهة نظر الباحثة في قضايا الأحزاب الجزائرية، سعاد لعبيد، فإن "أحزاب المعارضة واجهت خلال السنوات الخمس الماضية حالة من النزيف الداخلي، بفعل ضغوط السلطة وانحسار الفضاء السياسي"، معتبرة في حديث لـ"العربي الجديد"، أنه "كان من المؤكد بالنسبة لهذه الأحزاب، أنها قد تواجه نزيفاً داخلياً أكبر في ما لو استمرت في الغياب عن المنافسة في الانتخابات النيابية المقبلة، لأنها ستُضيّع فرصة للديناميكية التنظيمية والسياسية التي يوفرها الاستحقاق الانتخابي، وتبقى بذلك بعيدة عن المنابر السياسية المؤثرة".

Related News
دورتموند يتفق على ضم جوان غادو مدافع سالزبورغ
aawsat
3 minutes ago
تييري هنري متفائل بفرص فرنسا في الفوز بالمونديال
aawsat
7 minutes ago
«الدوري المصري»: الزمالك يضع يداً على اللقب بهدف «الدبّاغ»
aawsat
17 minutes ago