Arab
فكرة توفيق الحكيم التي يعززها بالأمثلة في كتابه "فن الأدب" هي أن الأدب الشعبي العربي جاء رداً، أو تعويضاً عن غياب النثر عن الأدب العربي، إذ استمر أدباء الفصحى العرب في عدم كتابة الأعمال النثرية، وخصوصاً الأدب القصصي، على الرغم من انتقال المجتمعات العربية من حالة الخيمة، إلى وضع العمران، مما دفع الناس لإبداع الأدب الشعبي "فما ظهوره أحياناً، إلا صرخة احتجاج على جمود الفصحاء" وهكذا ظهرت سيرة عنترة ومجنون ليلى وسيرة سيف بن ذي يزن وتغريبة بني هلال، فيما الكتاب الأكثر أهمية وشهرة في الآداب العالمية كلها "ألف ليلة وليلة".
يبدو الأدب الشعبي في هذا الرأي مجرداً من الأصالة، فهو ليس أكثر من محاولة لردم الفجوة الإبداعية الغائبة عن الفصحى، أو هو تعويض عن التقصير في إنشاء الأدب الفصيح الذي اقتصر على الشعر بفنونه وموضوعاته المختلفة، ولم يقارب فنون النثر، أو ينتجها. وهو رأي لا يتجاهل طبيعة الأدب، بل طبيعة منتجي الأدب، إذ من الصعب أن نقبل أن عملاً خيالياً مثل "ألف ليلة وليلة" هو في جوهره رد على غياب القصة عن الأدب العربي الفصيح.
وظيفة الأدب الشعبي الروحية هي التحرر من القهر والاستبداد
وبعيداً عن التبسيط المخل بنشأة الآداب عموماً، كما يظهر في مقالة الحكيم، فإن السؤال اللاحق هو، لماذا يعمد الشعب إلى التعبير عن نفسه بأشكال مختلفة من الأدب؟ والفكرة الأعمق هي في حاجة البشر، في كل زمان ومكان، إلى الحكاية، كما هي في حاجة أفراد من البشر إلى ابتكار الحكاية، وقص الحكاية بطرق مختلفة، يسمعها، أو يقرأها الآخرون. فالأدب الشعبي ليس أدباً عربياً فقط، إذ إن جميع الشعوب، بكل اللغات، توصلت إلى ابتكار هذا الشكل، أو هذه الأشكال من الحكايات، ومن قص الحكايات.
وتتحدث نبيلة إبراهيم في كتابها "أشكال التعبير في الأدب الشعبي" عن الدافع الروحي الذي يدفع لظهور كل نوع من أشكال التعبير الشعبي، ووظيفته الروحية أيضاً، وهي الوظيفة التي تحرر الوجدان الإنساني من القهر والقمع والاستبداد الداخلي، أو الخارجي. واللافت في الأدب الشعبي العربي هو ظهور الحكواتي، وهو شخص ثالث يضاف إلى المؤلف المجهول، والحكاية، وقد يكون أحد المؤلفين المجهولين، وقد لا يكون، وليست لدي أي فكرة عما إذا كان شكل وجوده كما عرفناه في المدينة العربية، متوفراً لدى غير العرب من الشعوب.
يمتلئ الأدب الشعبي العربي بالمعاني، أبرزها فكرة الحرية، وفكرة البطل المحرر، وأفضل رموزها عنترة الذي سجل حركة تحرر من العبودية، وسيف بن ذي يزن، الذي عمل على تحرير اليمن من احتلال الفرس، والظاهر بيبرس، الذي قاد القتال ضد المغول. والفكرة نفسها هنا تمنح هذا الأدب أصالة الانتماء إلى الشعب. بينما اشتغلت "ألف ليلة وليلة" على نقاش مشاغل الناس كلها، من شكل الحاكم المستبد، المتمثل في الملك شهريار، وطريقته العبثية التي تستهين بأرواح البشر، وتعمم الإعدام والقتل، بسبب قضية شخصية تعرض لها، إلى شهرزاد التي قاومت سياسة الحاكم المستبد، بابتكار الحكايات، وهو ما دفع بالأدب النثري إلى أن يكون أدب مواجهة لأحكام السلطان.
* روائي سوري

Related News
إسرائيل تستأنف محاولات توسيع سيطرتها في جنوب لبنان
aawsat
13 minutes ago
8 عادات يومية بسيطة تقلل خطر الإصابة بالنوبات القلبية
aawsat
14 minutes ago
تشيلسي يدرس التعاقد مع تشافي
aawsat
17 minutes ago