Arab
جاء إعلان الإمارات انسحابها من منظمة أوبك وتحالف أوبك+ اعتباراً من الأول من مايو/ أيار المقبل ليعكس تحولاً استراتيجياً في رؤيتها الاقتصادية طويلة الأمد، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية في المنطقة، ما سلط الضوء على تداعيات القرار على البلد الخليجي وسوق الطاقة الإقليمية والدولية.
وجاء القرار بعد استثمارات في تعزيز القدرة الإنتاجية تصل إلى نحو 5 ملايين برميل يومياً بحلول العام 2027، ما يسمح للإمارات بالتحرر من قيود الحصص الإنتاجية داخل منظمة أوبك وتحالف أوبك+، خاصة مع اضطرابات مضيق هرمز الناجمة عن تداعيات الحرب التي حدت من الصادرات حالياً، وفقاً لما أورده تقرير نشرته وكالة "رويترز" في 28 إبريل/ نيسان.
كما يعكس القرار، من زاوية أخرى، توتراً متزايداً مع السعودية حول سياسات الإنتاج، إضافة إلى رغبة أبوظبي في مرونة أكبر لتلبية الطلب العالمي المتوقع بالنمو، مع الحفاظ على دورها منتجاً مسؤولاً، بحسب تحليل نشرته "بلومبيرغ " أول من أمس.
فالانسحاب من التكتلين يعني في ما يخص الإمارات زيادة محتملة في الإنتاج والعوائد على المدى المتوسط، مع تعزيز مكانتها لاعباً مستقلّاً في سوق الطاقة، مستفيدة من تكاليف إنتاج منخفضة وانبعاثات كربونية أقل، لدعم خطط التنويع الاقتصادي، أما على السوق الخليجية فقد يضعف تماسك "أوبك+" ويضع ضغوطاً على السعودية لتعويض فقدان القدرة الاحتياطية، بحسب تقدير أورده تقرير نشرته "وول ستريت جورنال" في 28 إبريل.
وعلى المستوى العالمي، يقلل القرار الإماراتي من سيطرة "أوبك+" على 30% إلى 26% من العرض، ما يزيد، بحسب التقدير ذاته، من التقلبات قصيرة الأمد بسبب تداعيات الحرب، ويفتح الباب لضغط هبوطي على الأسعار إذا زاد الإنتاج الإماراتي.
وإزاء ذلك، يثير الخروج الإماراتي مخاوف محللين وتجار طاقة ودول مستوردة من "حرب حصص سوقية صامتة"، إذ قد يشجع منتجين آخرين على إعادة تقييم التزاماتهم تجاه أوبك+، ما يؤدي إلى تخمة عرضية متوسطة الأمد إذا لم يتم احتواء الوضع، ويضعف قدرة أوبك+ على إدارة السوق، خاصة مع تراجع دورها المثبت، وهو ما وصفه الخبير الاقتصادي في "ريستاد إنرجي"، خورخي ليون، بأنه "نقطة تحول هيكلية" تجعل السوق أكثر عرضة للتقلبات. وسبق الإمارات انسحاب 5 دول من أوبك على مدار تاريخها وهي قطر والإكوادور وأنغولا وإندونيسيا، وسط ترقب لمستقبل المنظمة التي تأسست عام 1960 وكان لها دور كبير في تحقيق الاستقرار للأسواق النفطية، إذ يتخوف محللون من تكرار عمليات الانسحابات من أوبك في حال تضرر بعض الأعضاء.
رسالة استراتيجية
وفي هذا الإطار، يشير الباحث الاقتصادي المختص بشؤون الطاقة، عامر الشوبكي، لـ "العربي الجديد"، إلى أن انسحاب الإمارات من "أوبك" و"أوبك+" يتجاوز كونه مجرد خروج من اتفاق إنتاج ليصبح "رسالة استراتيجية من منتج كبير يسعى لتحويل استثماراته النفطية إلى نفوذ أسرع في السوق"، حيث كانت تنتج نحو 3.5 ملايين برميل يومياً قبل أزمة مضيق هرمز وتملك قدرة إنتاجية تقارب 5 ملايين برميل، ما يمنحها وزناً حقيقياً أكبر يقوم على طاقة مرنة قابلة للزيادة الفورية في وقت يعاني فيه العالم نقصاً حادّاً.
ويواجه التحالف ضغطاً مزدوجاً، خارجياً من المنتج الأميركي الذي يتجاوز إنتاجه 13.5 مليون برميل يومياً وداخلياً من دول تسعى لهامش إنتاجي واستثماري أكبر، بحسب الشوبكي، الذي يشير إلى أن خروج الإمارات قد يتحول إلى حالة غير منفردة إذا شعرت دول مثل العراق والكويت والجزائر ونيجيريا بأن كلفة الالتزام بحصص الإنتاج تفوق عوائدها، خاصة بعد انتهاء الأزمة ومحاولة المنتجين تعويض الإيرادات المفقودة.
ويكشف القرار تبايناً اقتصادياً خليجياً حساساً لا يصح تصويره بوصفه خصومة مباشرة، بحسب تقدير الشوبكي، موضحاً أن السعودية تتحرك بمنطق قيادة السوق وحماية السعر واستقرار المنظومة، بينما تتحرك الإمارات بمنطق تعظيم العائد من طاقة إنتاجية عالية الكلفة قبل ضيق نافذة النفط عالمياً مع اقتراب ذروة الطلب في العقد المقبل.
ويخلص الشوبكي إلى أن الخطوة الإماراتية تأتي في لحظة شديدة الحساسية مع استمرار ضغط مضيق هرمز على الإمدادات وتجاوز سعر برنت 111 دولاراً، وتوقعات البنك الدولي بارتفاع أسعار الطاقة 24% وأسعار الأسمدة 31% هذا العام إذا استمرت الحرب وتعطل الشحن، ما ينقل سوق النفط من سؤال تقليدي حول الكميات إلى سؤال أعمق حول من يملك القرار الخليجي في النظام العالمي الجديد.
دوافع متشابكة
في السياق، يصف أستاذ الاقتصاد بجامعة نيس الفرنسية، آلان صفا، انسحاب الإمارات، بعد عضوية استمرت لأكثر من 60 عاماً، بأنه "قرار محوري" يستند إلى دوافع اقتصادية وجيوسياسية متشابكة، حيث تفرض العضوية في التكتلين الالتزام بحصص إنتاجية محددة قد لا تتماشى مع الطموحات التصديرية للإمارات في ظل التداعيات الحالية للحرب، بحسب ما أفاد لـ "العربي الجديد".
ويمثل القرار أيضاً، بحسب صفا، خطوة جيوسياسية تهدف إلى كسر الهيمنة الثنائية داخل تحالف "أوبك+"، حيث تلعب السعودية الدور الأول وروسيا الدور الثاني المستفيد من ارتفاع الأسعار لتخفيف وطأة العقوبات، ما دفع الإمارات إلى السعي نحو حرية أكبر في تحديد كميات التصدير من دون التقيد بالقيود المفروضة من أوبك أو أوبك+، خاصة في ظل وجود توترات في العلاقات الإقليمية.
ولا يتوقع صفا أن يحذو حذو الإمارات دول أخرى تنسحب من التكتلين، وعزا ذلك إلى أن البقاء ضمن أوبك+ يمنح الدول الأعضاء تأثيراً إيجابياً على الأسواق العالمية ودوراً سياسياً واقتصادياً يفوق السلبيات المحتملة للالتزام بالحصص، ما يجعل الاستمرار في العضوية خياراً استراتيجياً مفيداً لباقي الدول، بحسب تقديره.
ومع ذلك، يؤكد صفا أن كلّاً من أوبك وأوبك+ يواجهان، على المدى الطويل، ضغوطاً متزايدة من جانب الولايات المتحدة التي دخلت السوق بقوة بوصفها مصدراً رئيسياً للنفط، ما سيؤدي إلى تخمة في المعروض ويجبر أوبك+ على خفض الإنتاج للحفاظ على الأسعار، وهو إجراء قد يؤثر سلباً على عائدات الإمارات إذا بقيت ملتزمة بالتحالف.

Related News
تشيلسي يدرس التعاقد مع تشافي
aawsat
7 minutes ago