Arab
لم تعد الساحاتُ في دمشق تتكلّم اللغة التي عرفها السوريون قبل أكثر من عقد. لا شعارات كُبرى عن إسقاط الأنظمة، ولا بيانات أيديولوجية تُبشّر بعالم جديد. في المشهد أخيراً، وخلال وقفة 17 نيسان (الحالي) في ساحة يوسف العظمة بدمشق، كانت الكلمات أقلّ صخباً، وأكثر ثقلاً: قانون، كرامة، معيشة. كلماتٌ تبدو، للوهلة الأولى، عاديّةً، لكنّها تحمل في طيّاتها تحوّلاً عميقاً في معنى الاحتجاج. ما جرى في تلك الساحة لم يكن تكراراً باهتاً لعام 2011، بل هو إعلان هادئ لولادة شكل جديد من الفعل الاجتماعي: احتجاج بلا أيديولوجيا، لكنّه مُشبَع بضيق العيش، فلا يتراجع الغضب، بل يعيد تعريف نفسه. فالمطالب التي رفعها المحتجّون: خفض الأسعار، تحسين الرواتب، مكافحة الفساد... إلخ، ليست تفاصيلَ صغيرةً في هامش السياسة، بل تعبير عن انتقال مركز الثقل من سؤال: "من يحكم؟"، إلى سؤال أكثر إلحاحاً: "كيف نعيش؟".
المشهد المذكور آنفاً لا يمكن فهمه تراجعاً عن السياسة، بل تحوّلاً في معناها. فالمجتمع السوري الذي مرّ في تجربة احتجاج واسعة، ثمّ في حرب طويلة، لا يعود إلى النقطة نفسها، بل يتغيّر في نظرته إلى ما هو ممكن، وما هو مُلحّ. هنا، تنزاح السياسة من فضائها التجريدي إلى أرض الواقع المعيشي. بهذا المعنى، ينتقل السوريون من ميدان "السياسة الكُبرى" إلى حيّز "اقتصاد الحياة"، وهذا ما يحمّل الاحتجاجات الراهنة معنى مختلفاً: معنى الضرورة. إذ لم تعد تعبيراً عن مشروع بديل، بل عن ضغط واقع لا يُحتمل. وفي هذا السياق، تستعيد مقولةُ الفيلسوفة الألمانية حنّة آرندت أهميتها حين أكّدت أنّ أخطر لحظات التاريخ ليست التي تنفجر فيها الثورات، بل تلك التي تتراكم فيها شروطها بصمت، حين يصبح الحرمان جزءاً من عصب الحياة اليومية.
لا يمكن الحديث عن الحرّية في فراغٍ لا يضمن الحدّ الأدنى من العيش الكريم
ليس هذا التحوّل معزولاً عن المسار التاريخي السوري، بل هو امتداده الأكثر تعقيداً. ففي عام 2011، حين اندلعت الاحتجاجات، كان الأفق مفتوحاً على تغيير شامل يبدأ من إسقاط النظام. لكن ما تلا ذلك من سنوات الحرب، والعسكرة، والتدخّلات الخارجية، أعاد تشكيل الواقع بطريقة جعلت تلك الأهداف تبدو، عند كثيرين، بعيدةً أو مؤجّلةً. ومع تآكل البنية الاقتصادية، وانهيار العملة، واتساع رقعة الفقر، أصبح السؤال السياسي نفسه مشروطاً بالبقاء: لا يمكن الحديث عن الحرّية في فراغٍ لا يضمن الحدّ الأدنى من العيش الكريم. ليست هذه فكرة مستحدثة؛ فالتاريخ مليء بأمثلةٍ لثورات بدأت من الخبز قبل أن تصل إلى السياسة. لكن ما يميّز الحالة السورية اليوم أنّ هذا التحوّل يأتي بعد تجربةٍ ثورية كُبرى، لا قبلها. أيْ إنّنا أمام ظاهرة يمكن تسميتها "احتجاج ما بعد الثورة": حراكٌ مدني لا يسعى إلى إسقاط النظام، ولا يقدّم بديلاً سياسياً، بل يضغط من داخل الواقع القائم لتحسين شروط الحياة فيه. غير أنّ هذا الشكل من الاحتجاج يكشف، في الوقت نفسه، انقساماً داخل المجتمع. فالمشهد لم يكن موحّداً؛ إلى جانب المحتجّين، ظهرت تجمّعات مضادّة مؤيّدة للسلطة، ووقعت احتكاكات تطلّبت تدخلاً أمنياً للفصل بين الطرفَين. من ثمّ، لم يعد الصراع يدور بين "نظام" و"معارضة"، بل بين قراءات مختلفة للواقع: بين من يرى في الاحتجاج ضرورةً لتحسين الحياة، ومن يخشى أن يُفتح الباب لفوضى جديدة. إنّها لحظة يتجادل فيها المجتمع مع نفسه، لا مع سلطة فوقه فقط. هذا الانقسام يُعقّد أيضاً طبيعة استجابة الدولة. فبدلاً من القمع الشامل، بدا التعامل مع الاحتجاجات أقربَ إلى الاحتواء الحذِر، ما يعكس تغيّراً في موازين القوة: الدولة لم تعد في موقع يسمح لها بإغلاق المجال العام بالكامل، لكنّها أيضاً لا تقبل بفتحه على مصراعيه. فالتعامل مع احتجاج سياسي واضح يختلف عن التعامل مع ضغط اجتماعي منتشر. الأول يمكن احتواؤه أو قمعه أو حتّى التفاوض معه، أمّا الثاني فهو أكثر سيولةً، لأنّه مرتبط بصميم الحياة نفسها، وهذا ما يجعل إدارة هذه المرحلة أكثر تعقيداً. في المقابل، المجتمع السوري لم يعد قادراً على الانفجار الكبير، ولا قابلاً بالصمت الكامل. بين هذَين الحدّين يتشكّل ما يمكن تسميته بـ"توتّر مُدار": حالة لا هي استقرار حقيقي، ولا هي انفجار شامل.
تطرح هذه الانزياحات سؤالاً أعمق بشأن طبيعة المرحلة التي تعيشها سورية: هل هي أمام نهايةٍ لمسار الانتفاضات الشعبية، أم أمام إعادة تشكيل احتجاجات تتخلّى عن الشعارات الكُبرى، لكنّها لا تتخلّى عن جوهرها فعلَ اعتراض؟ وإذا كانت الثورات، في تعريفها الكلاسيكي، تسعى إلى تغيير النظام السياسي، فإنّ هذا الشكل الجديد من الاحتجاج يسعى إلى شيء مختلف: انتزاع هامشٍ قابلٍ للعيش ضمن البنية القائمة. وهذه قد تكون إحدى أكثر اللحظات حساسية: حين يتوقّف الناس عن الحلم بعالم جديد، ويبدؤون بالمطالبة بعالم يمكن احتماله. غير أنّ هذا "التواضع" في المطالب يجب ألّا يُفهم على أنّه ضعف. على العكس، هو تعبير عن واقعية قاسية، وعن إدراك بأنّ التغيير، في الظروف الحالية، لا يأتي عبر القفزات الكُبرى، بل عبر التراكم البطيء. فالخطاب الرسمي، بما يحمله من وعود وتفسيرات للأزمة، يتحوّل إلى أداة وظيفية لامتصاص الاحتقان وإعادة تأطيره، فيما تعكس الإجراءات الجزئية التي تُتخذ في لحظات الضغط، حين لا ترقى إلى مستوى الحلول، ساعيةً لإدارة الغضب أكثر من معالجته.
لا تكشف احتجاجات دمشق أزمةً اقتصادية فقط، بل أيضاً تحوّلاً عميقاً في وعي المجتمع بذاته
بالتوازي، تُعاد صياغة الوصول إلى الخدمات الأساسية عبر تقليصها أو إعادة تنظيمها، بما في ذلك خصخصة المشافي والتعليم وارتفاع كلفة الخدمات العامة كالكهرباء... إلخ، ما يثقل كاهل المعيشة ويقوّض أسس الاستقرار الاجتماعي. هذه التحوّلات تشير إلى دينامية مركّبة: احتواءٌ للأزمات المتصاعدة يُعيد في الوقت نفسه إنتاج شروط انفجارها، في مسار يسعى إلى تأسيس دولة "طبيعية" ضمن واقع لا يزال خارج الاستقرار الطبيعي. هنا، يمكن استحضار فكرة الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي عن "الأزمات الصامتة"، فلا يحدث الانفجار، لكنّ شروطه تتكوّن تدريجياً. وفي قلب هذه الحالة، يظهر نوع جديد من الفاعل الاجتماعي: فرد لا يحمل مشروعاً سياسياً شاملاً، لكنّه يحمل تجربةً يوميةً من الضغط، تجعله مستعدّاً للاحتجاج حين تتجاوز الظروف حدودها. هذا الفرد لا ينتظر لحظة تاريخية كُبرى، بل يتفاعل مع لحظات صغيرة متكرّرة. إنّه ليس "ثائراً" بالمعنى التقليدي، لكنّه ليس ساكناً أيضاً. إنّه يقف عند عتبة وسيطة، بين القبول والرفض، بين التكيّف والاعتراض.
في النهاية، ما تكشفه احتجاجات دمشق لا يقتصر على أزمة اقتصادية خانقة، بل يشير إلى تحوّل عميق في وعي المجتمع بذاته، إذ لم يعد السوريون ينظرون إلى تداعيات الحرب بوصفها معطى منفصلاً عن حياتهم اليومية، بل امتداداً مباشراً لها: الاقتصاد لم يعد ظلّ السياسة، بل أصبح لغتها اليومية الفاعلة، والجغرافيا لم تعد وطناً بقدر ما هي ممرّاتٌ ومعابرُ ونفوذٌ، والدولة لم تعد مركزاً واحداً، بل شبكة وظائف تتوزّع بين الداخل والخارج.
وفي هذا التحوّل، يكمن المعنى الأعمق لما يجري: فسورية اليوم في منطقة بينية تتداخل فيها بقايا الماضي مع ملامح مستقبل لم يتشكّل بعد، وفيها يترنّح السوري الذي لم يعد يهتف لإسقاط العالم، بل يُطالب، بهدوء وإصرار، بأن يكون هذا العالم قابلاً للحياة.

Related News
«حرب إيران» تزيد متاعب «القطاع الخاص» المصري
aawsat
10 minutes ago
فوائد التمدد الصباحي: كيف يوقظ جسمك بلطف؟
aawsat
12 minutes ago