Arab
حذّر خبراء طاقة من خطورة انسحاب الإمارات من منظمة "أوبك"، مؤكدين أن القرار سيدفع سوق النفط العالمية إلى موجة جديدة من التقلبات، في وقت تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية في الخليج وتتعاظم الخلافات داخل تحالف "أوبك بلس" حول سياسات الإنتاج. أكد الخبراء أن انسحاب الإمارات من أوبك يدفع سوق النفط نحو عدم يقين وتقلبات حادة، ما يعرّض دولاً مستوردة مثل مصر لضغوط اقتصادية أو متنفس مؤقت بحسب اتجاه الأسعار.
اتهم استشاريون بقطاع البترول المصري، رفضوا ذكر اسمهم، شركات أميركية منتجة للنفط بدفع الإمارات نحو اتخاذ هذا القرار لهدم منظمة "أوبك" التي التزمت تاريخياً بتنظيم حصص الإنتاج لضمان السيطرة على أسعار النفط، بما يحقق مصلحة المنتجين وضمان تدفق الكميات المطلوبة للأسواق الدولية يومياً بدون اختناقات.
وأشار مسؤولون سابقون بوزارة البترول في حديثهم لـ"العربي الجديد" إلى أن تحول الولايات المتحدة لأكبر منتج للنفط والمورد الأول للغاز عالمياً جعلها تندفع نحو "هدم أوبك بلس" التي تتحالف مع دولة روسيا في ضبط التسعير وإنتاج النفط منذ سنوات، مشيرين إلى أن هذه السياسة نابعة من رغبة واشنطن في التحكم بالإنتاج والتسويق، خاصة من السعودية ومنطقة الخليج التي توفر 50% من احتياجات الصين المنافس للولايات المتحدة على إدارة الاقتصاد الدولي.
قال خبير الأزمات واستراتيجيات النفط عبد الحميد الجويلي لـ"العربي الجديد" إنه رغم أن قرار الإمارات كان متوقعاً منذ بدء الحرب الإسرائيلية الأميركية ضد إيران الذي واكبه توجه السعودية ومصر وتركيا وباكستان لتشكيل تحالف استراتيجي يشمل التعاون العسكري والاقتصادي لمواجهة تداعيات مشروع إعادة ترسيم منطقة الشرق الأوسط وفقاً لرؤية رئيس وزراء الاحتلال بينيامين نتنياهو والرئيس الأميركي ترامب، فإن صدور القرار بهذه السرعة يعكس مدى تغول البيت الأبيض في اتخاذ الإمارات قرارها بالانسحاب من أوبك، في إطار سعيها لهدم تحالف منتجي النفط الذي أسسته السعودية بعد أزمة النفط الكبري عقب حرب 1973، حينما اتحد العرب ودول منتجة للنفط داعمة للحقوق العربية، في قطع إمدادات النفط عن الغرب، في توظيف لقوة "النفط استراتيجياً" لأول مرة في التاريخ.
أكد الخبير المصري أن انسحاب الإمارات من أوبك ستكون له آثار خطيرة على مصر التي ستصبح في مواجهة رياح تغيير سياسات العرض والطلب وتأرجح أسعار النفط في سوق يعتمد على المنافسة السعرية، يكون فيه الجانب الأقوى صاحب القرار، بينما تظلّ مصر في منطقة وسطى بين الطرفين المتطرفين في أغراضهم السعرية والتجارية، لتحصل على النفط وفقاً لأسعار السوق الفورية التي يقرّرها ضغط الطلب وندرة العرض.
أضاف الجويلي أن انسحاب الإمارات من أوبك قد يدفع سوق النفط إلى مرحلة "بلا اتجاه واضح"، إذ تتصارع عوامل متناقضة بين زيادة محتملة في المعروض ومخاطر جيوسياسية مرتفعة، مشيراً إلى أنه بين هذين العاملين، تبدو الأسعار مرشحة لتحركات سريعة وغير مستقرة، بما يزيد من تعرض اقتصادات مستوردة للطاقة مثل مصر لصدمات خارجية يصعب التحكم في مسارها.
يضيف الجويلي أن خروج الإمارات؛ أحد كبار المنتجين، من منظومة التنسيق النفطي قد يضعف قدرة أوبك على إدارة الإمدادات، ويدفع السوق نحو توازن أكثر هشاشة بين العرض والطلب، مع احتمال تحركات سعرية حادة في الأجلين القصير والمتوسط، مشيراً إلى أن الإمارات تنتج ما بين 3.2 و3.5 ملايين برميل يومياً، بما يقارب عُشر إنتاج أوبك البالغ نحو 27 إلى 30 مليون برميل يومياً، كما تمتلك طاقة إنتاجية فائضة تسمح لها بزيادة الإمدادات خلال فترة وجيزة، ما قد يعزز المعروض العالمي إذا قررت رفع الإنتاج خارج قيود الحصص.
أضاف الجويلي: بالنسبة لمصر، التي تعتمد على استيراد جزء كبير من احتياجاتها من النفط والغاز يومياً تأتي هذه التطورات في توقيت حساس مع تراجع نسبي في الإنتاج المحلي، بما يزيد من تعرضها لتقلبات السوق العالمية، وفي حال ارتفاع الأسعار، من المرجح أن ترتفع فاتورة الواردات البترول ويتزايد الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي وتتسع فجوة العجز التجاري بما قد ينعكس ذلك على معدلات التضخم، في ظل ارتباط أسعار الوقود بتكلفة النقل والإنتاج، ليضع الحكومة أمام خيارات صعبة بين تمرير الزيادات إلى المستهلكين أو تحمل أعباء مالية إضافية.
أما في حال انخفاض الأسعار العالمية للنفط نتيجة زيادة المعروض، فيرى خبير البترول أن ذلك سيخفّف من الضغوط على الاقتصاد، مؤكداً أن هذا التصور يظل سيناريو غير مضمون في ظل المخاطر الجيوسياسية الحالية المتعددة حول العالم، وتداعيات التوتر العسكري في مضيق هرمز على حركة التجارة العالمية، بما قد يؤثر على إيرادات قناة السويس، أحد أبرز مصادر العملة الأجنبية لمصر.
من جانبه، يقول خبير اللوجيستيات عمرو السمدوني، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إن أي اضطراب في مضيق ممر هرمز الحيوي قد يطغى على تأثير زيادة الإنتاج، ويدفع الأسعار للارتفاع السريع، مضيفاً أن السوق قد تدخل ما وصفه بـ"مرحلة التقلب المزدوج"، حيث تتحرك الأسعار بين ضغوط زيادة المعروض ومخاطر تعطل الإمدادات، بما يقلص القدرة على التنبؤ باتجاهات السوق. ويحذر خبراء من أن انسحاب الإمارات قد يشجع دولاً أخرى داخل أوبك على إعادة تقييم التزاماتها، بما يهدد بتآكل دور المنظمة كمنتج مرجّح قادر على تحقيق التوازن، ويفتح الباب أمام سوق أكثر تنافسية وأقل انضباطاً.
