الجهاد الذي لا يصفّق له أحد
Arab
5 days ago
share
أصعب ما يمرّ به المرء أن يواصل حياته بينما تتداعى أشياء كثيرة في داخله بصمت. أن يستيقظ في موعده المعتاد، ويجيب على الرسائل، ويؤدّي ما عليه من التزامات، ويبدو متماسكاً إلى الحدّ الذي يجعل الآخرين يظنّون أنّ كلّ شيء على ما يرام، بينما الحقيقة مختلفة تماماً. فبعض المعارك لا تترك كدماتٍ ظاهرةً، ولا تحتاج إلى ساحة حرب كي تستنزف صاحبها. يكفي أن يقضي المرء سنواتٍ طويلة وهو يحاول النجاة من نفسه، ومن خيباته القديمة، ومن التعب الذي تراكم فيه ببطء حتى صار جزءاً من طريقته في النظر إلى الأشياء. الحياة لا تهزمنا دفعةً واحدة كما كنّا نظنّ في بداياتنا الساذجة. إنّها أكثر دهاءً من ذلك. تأتي بخسارات صغيرة متتابعة، وبخذلان متكرّر، وبأيّام عادية جدّاً تُطفئ شيئاً في الداخل من غير أن ينتبه أحد. ولهذا يبدو الجهاد الحقيقي صامتاً إلى هذا الحدّ. لا أحد يرى تلك اللحظة التي يبتلع فيها المرء حزنه كي يكمل حديثاً عابراً، ولا اللحظة التي يقاوم فيها رغبته في الانسحاب من كلّ شيء، ولا تلك الحروب الخفيّة التي تدور في رأسه قبل النوم، حين يحاول إقناع نفسه بأنّ الغد يستحقّ المحاولة مرّةً أخرى. ثمّة أشخاصٌ يعيشون حيواتهم وهم يؤدّون دور الأقوياء بإتقانٍ مؤلم. يضحكون في الأماكن المناسبة، ويبدون عقلانيين، ويمنحون الآخرين طاقةً وطمأنينة، بينما هم لا يكادون يستطيعون جمع شتاتهم آخر الليل. وهذا النوع من التعب لا يمكن قياسه بالكلمات المعتادة، لأنّ التعب الجسدي واضح، أمّا تعب الروح فيحتاج إلى حساسية خاصّة لالتقاطه. يحتاج إلى عين ترى ما وراء الوجوه المرتّبة، وما وراء الجمل القصيرة التي يقولها الناس حين يعجزون عن شرح ما يحدث في أعماقهم. ولعلّ أكثر ما يرهق المرء أن يظلّ مطالباً بالاستمرار مهما حدث. العالم لا يمنح أحداً وقتاً كافياً لينكسر كما ينبغي. ثمّة فواتير، ومواعيد، وأعمال، وواجبات، وأشخاص ينتظرون منك أن تبقى متماسكاً. لذلك يتعلّم كثيرون فنّ التعايش مع الخراب الداخلي. يذهبون إلى أعمالهم بقلوب منهكة، ويكتبون، ويتحدّثون، ويطبخون، ويعتنون بالآخرين، بينما هم في الحقيقة يحاولون فقط ألّا يسقطوا بالكامل. وما يضاعف قسوة هذه الرحلة أنّ معظم المعارك الداخلية غير قابلة للشرح. كيف يمكن للمرء أن يشرح شعوره حين يفقد حماسته تجاه الأشياء التي أحبّها طويلاً؟ وكيف يفسّر ذلك الثقل الغامض الذي يجعله متعباً من غير سبب واضح؟ أحياناً لا تكون المشكلة حدثاً كبيراً، وإنّما تراكماً بطيئاً لأعوام من الصبر، والمجاملات، والتنازلات، ومحاولات النجاة المؤجّلة. كثيرون يظنّون أنّ القوة تعني القدرة على مواجهة الآخرين، بينما الجزء الأصعب يحدث داخلنا. أن تقاوم أفكارك السوداء، وأن تمنع اليأس من ابتلاعك، وأن تحافظ على قدرتك على التعامل بلطف رغم ما يعتمل فيك من تعب، وأن تواصل الإيمان بالحياة بعدما كشفت لك قسوتها أكثر من مرّة. تلك معركة تحتاج إلى شجاعة يومية هائلة، شجاعةٌ لا يراها أحد، ولا تُكافأ غالباً، ولا يكتب عنها المؤرخون. وحين أتأمّل الوجوه حولي، أشعر أنّ معظم الناس يحملون جراحهم بطريقة مهذّبة. كلّ واحد يخفي حطامَه الشخصي خلف عاداته اليومية. ثمّة امرأة تبتسم طوال الوقت لأنّها تخاف أن تنهار إذا توقّفت عن الابتسام، وثمّة رجل يبدو شديد الصلابة لأنّه لم يجد رفاهية الضعف يوماً، وثمّة أرواح تمشي بيننا وهي تؤدّي حياتها بدقّة بينما أعماقها تستغيث بصمت. لهذا صرت أكثر حذراً في أحكامي على الآخرين. لا أحد يعرف مقدار الجهد الذي يبذله شخص ما كي يبدو طبيعياً. أحياناً يكون أعظم إنجاز يحقّقه المرء خلال يومه أنّه نهض من سريره وواصل يومه رغم كلّ ما فيه من انطفاء. وهذا بحدّ ذاته شكل نبيل من أشكال المقاومة. الحياة الفانية لا تختبرنا فقط بما نفقده، وإنّما بما نستطيع احتماله من دون أن نفقد قدرتنا على البقاء بشراً. وهذا هو الجهاد الأثقل فعلاً؛ أن يحرس المرء قلبه من القسوة رغم ما مرّ به، وأن يحاول ترميم نفسه كلّما تصدّعت، وأن يواصل السير بخطوات متعبة من غير أن يتحوّل إلى نسخة باردة من ألمه.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows