يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ خاص:
في خطوة وصفت بأنها “زلزال جيوسياسي” في أسواق الطاقة العالمية، أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة انسحابها رسمياً من منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) اعتباراً من الأول من مايو/أيار المقبل.
هذا القرار، الذي ينهي شراكة استمرت لأكثر من نصف قرن، لا يمثل مجرد تحول في سياسات الطاقة، بل يكشف عن تصدع عميق في العلاقات الإماراتية ليس مع السعودية فحسب بل مع معظم دول المنطقة، وهو التصدع الذي بدأت شرارته الأولى من جبهة اليمن لتصل شظاياه إلى قلب كارتل النفط العالمي.
وقال محللون سياسيون وخبراء إن خطوة مغادرة مجموعات الدول المنتجة للنفط، التي أُعلنت يوم الثلاثاء، تتجاوز مجرد كونها خلافاً حول حصص الإنتاج – التي تقول مصادر خليجية إن أبوظبي تراها “مجحفة” بحقها.
- واشنطن تستطلع رأي الرياض.. ضغوط إماراتية “مكثفة” لتصنيف “الإصلاح” اليمني منظمة إرهابية
- من لهيب يناير إلى مكاتب واشنطن.. لماذا تدفع الإمارات نحو تصنيف “الإصلاح اليمني” منظمة إرهابية؟
- التلفزيون السعودي: المملكة لن تتردد في اتخاذ إجراءات جديدة رداً على تحريض أبوظبي
توقيت الإعلان
في أروقة صنع القرار في واشنطن، تُعرف الإمارات بلقب “سبارتا الصغيرة”، وهو الوصف الذي أطلقه وزير الدفاع الأمريكي الأسبق جيمس ماتيس، تعبيراً عن الإعجاب بقدرة الدولة على التحرك العسكري الحاسم والقرار المستقل السريع، مقارنة بجيرانها الخليجيين. وهذا الأسبوع، أثبتت الإمارات جدارتها بهذا اللقب؛ فبينما كان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يستضيف قمة خليجية في جدة بهدف إظهار وحدة الصف، صدمت أبوظبي الأسواق العالمية بقرار الانسحاب، ممثلة بوزير خارجيتها فقط في القمة، في إشارة بروتوكولية واضحة على فتور العلاقات.
كما أن توقيت الإعلان، الذي جاء في ذروة الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران وإغلاق مضيق هرمز، يعكس نفاد صبر الإمارات تجاه ما وصفه المستشار الدبلوماسي الإماراتي أنور قرقاش بـ “الموقف الضعيف تاريخياً” لمجلس التعاون الخليجي في مواجهة التهديدات الإيرانية.
وقال فواز جرجس، الأستاذ في كلية لندن للاقتصاد: “ثمة أمر خطير يحدث في العلاقات السعودية الإماراتية.. إنه شرخ أكثر جدية بكثير مما نعتقد”.
وتُثار تكهنات أن تكون أبوظبي تخطط للانسحاب أو توقيف عضويتها في الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي. وهو ما أثاره مدونون قريبون من الإمارات على شبكات التواصل الاجتماعي.
وقال دانيال ستيرنوف، وهو زميل بارز في مركز كولومبيا لسياسات الطاقة العالمية “إن هذه القطيعة تأتي في الوقت الذي شعرت فيه الإمارات العربية المتحدة بأن الولايات المتحدة وإسرائيل وفرنسا ودول أخرى أثبتت أنها حلفاء أفضل خلال هذه الحرب من جيرانها”.
ويؤكد مركز “صوفان” للدراسات الأمنية، أن هذا الانسحاب تتويج لسنوات من التوتر مع الرياض بشأن سياسة إنتاج النفط والتنافس على النفوذ الإقليمي، حيث تباينت مصالح البلدين، وهو ما يتجلى بوضوح في اليمن. لطالما انزعجت الإمارات من محاولة السعودية بناء نظام أمني إقليمي يقوم على دول المنطقة دون الاحتلال الإسرائيلي، خاصة بعد حرب السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وتعمق علاقتها مع تل أبيب ورفض دول المنطقة.
ويشير المركز الدراسات الأمريكي إلى أن عدم استشارة أبوظبي للرياض، أو أي عضو آخر في أوبك، قبل إعلان قرارها، يشير إلى أن رئيس الإمارات، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، لم يرَ ضرورة للتنسيق مع ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، بشأن قرار بهذا الحجم، وأن أولويات الزعيمين لا تزال متباينة.
اليمن: الجرح الذي لم يندمل
ويرى الأكاديمي والمحلل السياسي الإماراتي عبد الخالق عبد الله “نحن نشهد سياسة إماراتية أكثر استقلالية وحزماً في المنطقة. هذه هي الإمارات الجديدة التي يتعين على الجميع التعايش معها”.
وأضاف عبدالله أن “الخلاف الأعمق بين الإمارات والسعودية يتركز حول الملف اليمني”. فبعد سنوات من القتال المشترك، تباعدت الرؤى الاستراتيجية بشكل حاد؛ فبينما تركز الرياض على تأمين حدودها الشمالية، دعمت أبوظبي فصائل انفصالية في الجنوب لضمان نفوذها البحري.
ووصلت ذروة التصادم في ديسمبر/كانون الأول 2025، حينما أقدمت الطائرات السعودية على قصف شحنة أسلحة إماراتية كانت متجهة لقوات انفصالية في محافظات حضرموت والمهرة. الرياض اعتبرت هذا التحرك تهديداً مباشراً لأمنها القومي على حدودها الجنوبية، وأُعلن لاحقاً طردها من اليمن، وهو ما اعتبرته أبوظبي تضحية باستثمارها في الميليشيات المسلحة وقواعدها العسكرية، ومُنعت في مارس/آذار من هبوط طائرة شحن عسكرية في جزيرة ميون على مضيق باب المندب، مما عجل بقرار “فك الارتباط” ليس فقط ميدانياً، بل واقتصادياً عبر الخروج من مظلة “أوبك” التي تقودها السعودية.
ويرى ويليام ويشسلر، المدير العام لبرامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي، أن قرار الانسحاب الذي سيدخل حيز التنفيذ في الأول من مايو/أيار المقبل، لا يمكن قراءته بمعزل عن “التنافس المتنامي بين الإمارات والسعودية”، مشيراً إلى أن هذا التنافس خرج إلى العلن بشكل فج في ديسمبر/كانون الأول الماضي.
وأوضح تقرير لـ”المجلس الأطلسي” أن الصراع في اليمن كان المحرك الرئيسي لهذا الشرخ، خاصة بعد الغارات الجوية التي استهدفت قوات “المجلس الانتقالي الجنوبي” المدعوم من الإمارات. هذا الحادث، بحسب ويشسلر، كان بمثابة نقطة التحول التي كشفت عن تباعد المصالح الوطنية بشكل لم يعد من الممكن إخفاؤه خلف شعارات الوحدة الإقليمية.
تباين المسارات: من إسرائيل إلى السودان
لم يقتصر الخلاف على اليمن، بل امتد ليشمل ملفات إقليمية حساسة. ففي حين تفتخر الإمارات بعلاقاتها العميقة مع إسرائيل التي توطدت منذ “اتفاقات أبراهام” عام 2020، وصولاً إلى نشر منظومة “القبة الحديدية” الإسرائيلية في الأراضي الإماراتية خلال الحرب الحالية، لا تزال السعودية تقاوم ضغوط التطبيع، وتستخدم نبرة حادة ضد إسرائيل وصفتها فيها بالمسؤولة عن “إبادة جماعية” في غزة، وهي النبرة التي ترافقت مع هجوم إعلامي سعودي “شبه رسمي” على العلاقات الإماراتية الإسرائيلية.
وقال آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأمريكي السابق، إن أبوظبي خلصت إلى أن أمنها يكمن في الطرفين اللذين وقفا بصلابة إلى جانبها خلال الأزمة المصيرية: إسرائيل والولايات المتحدة. مشيراً إلى أن إسرائيل زودت الإمارات بصواريخ اعتراضية بالإضافة إلى نظام دفاع جوي اشترته أبوظبي وثبتته في وقت سابق.
وفي السودان، تجلى التنافس مرة أخرى؛ حيث دعمت الرياض الجيش السوداني، بينما تشير تقارير دولية إلى دعم إماراتي لقوات الدعم السريع، مما حول المنطقة إلى ساحة تصفية حسابات بين “الأخوين اللدودين”.
إن مشهد علاقة الإمارات مع دول شبه الجزيرة العربية اليوم يشير إلى أن “تصدع الجدران” الذي بدأ في السهول الساحلية الجنوبية لليمن، قد وصل أخيراً إلى المكاتب الفاخرة في فيينا؛ حيث قررت “سبارتا الصغيرة” أن مصلحتها القومية في “عصر الطاقة الجديد” تقتضي الإبحار وحيدة، بعيداً أمواج السعودية التي لم تعد تلبي طموحات أبوظبي؛ لكن عليها أن تدفع ثمناً لذلك بمزيد من عزلتها داخل مجلس التعاون الخليجي والوطن العربي والإسلامي.
The post تصدع “أوبك” بدأ من اليمن.. هكذا عجلت الخلافات مع الرياض بقرار الانسحاب الإماراتي appeared first on يمن مونيتور.