خلافات الأوروبيين حول مسار سباق التسلح… طموحات مشتركة تصطدم بالمصالح
Arab
6 days ago
share
تشهد أوروبا مرحلة غير مسبوقة من إعادة التسلح، هي الأوسع منذ نهاية الحرب الباردة، في ظل تسارع كبير في خطط تعزيز القدرات العسكرية، غير أن هذا التحول يترافق مع خلافات متزايدة بين فرنسا وألمانيا حول مستقبل التعاون الدفاعي الأوروبي، وتبدو مشاريع تطوير الطائرات المقاتلة والمسيّرات والدبابات، متعثرة أو مجمّدة جزئياً، في مفارقة تعكس اتساع الفجوة بين الطموح السياسي والواقع الصناعي الحربي. تحول ألماني في العقيدة الدفاعية اعتمد الجيش الألماني (البوندسفير) أخيراً استراتيجية دفاعية طويلة الأمد تمثل تحولاً جذرياً في العقيدة العسكرية، تضع التهديد الروسي في صدارة الأولويات مع الإبقاء على الولايات المتحدة كشريك استراتيجي. وتهدف الاستراتيجية إلى تحويل الجيش الألماني إلى "أقوى قوة تقليدية في أوروبا"، عبر رفع عديده إلى نحو 460 ألف جندي، بينهم 260 ألفاً في الخدمة و200 ألف في الاحتياط، مع تعزيز الجاهزية القتالية بشكل كامل. كما تعتمد "الجاهزية الحربية" كمبدأ أساسي، وتوحيد هيكل القيادة، وإدماج الأمن السيبراني كفرع مستقل إلى جانب البر والبحر والجو، ما يعزز موقع ألمانيا كركيزة عسكرية داخل حلف شمال الأطلسي "الناتو"، خصوصاً على الجبهة الشرقية. فرنسا: اقتصاد حرب وتوسيع الطموح الاستراتيجي في المقابل، تتجه فرنسا إلى تعزيز قدراتها العسكرية. فقد رفعت باريس هذا الشهر ميزانية قانون البرمجة العسكرية بزيادة 36 مليار يورو، لتصل إلى 413 مليار يورو للفترة 2024–2030، مع هدف بلوغ 2.5% من الناتج المحلي بحلول 2030 و3.5% في 2035. وترتكز الاستراتيجية الفرنسية على "اقتصاد الحرب" وتعزيز السيادة التكنولوجية، عبر زيادة إنتاج الذخائر، وتطوير القدرات السيبرانية الهجومية، وتوسيع الدفاع الفضائي. كما تشمل تطوير صواريخ بعيدة المدى، وبناء حاملة طائرات نووية جديدة، ورفع عديد القوات إلى 275 ألف جندي. وتسعى باريس إلى ترسيخ موقعها كقوة نووية مستقلة ومحور أساسي في الدفاع الأوروبي، مع الدفع نحو "مظلة نووية أوروبية" بقيادة فرنسية–بريطانية. رسائل عسكرية ومشاريع متعثرة وفي هذا السياق، يشارك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مناورات "أوريون 26" شمال شرق فرنسا، في رسالة تعكس تصاعد الجاهزية لسيناريوهات المواجهة الكبرى. لكن رغم تقارب الطموحات، يبقى السؤال حول كيفية تحويل هذه الاستثمارات إلى مشروع دفاعي أوروبي مشترك. وخلال الأسابيع الأخيرة، واجه مشروع المقاتلة الأوروبية المستقبلية (SCAF) بين فرنسا وألمانيا وإسبانيا عراقيل كبيرة، إذ يكمن الخلاف في صراع بين السيادة الصناعية والقيادة التقنية، في ظل تمسك فرنسا عبر "داسو" بالتحكم في التصميم، بينما تخشى ألمانيا و"إيرباص" التهميش. ويتعمق الخلاف بسبب اختلاف العقائد العسكرية، بين مقاربة فرنسية هجومية وأخرى ألمانية مندمجة داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ما أدى إلى تأجيل التقارير المشتركة وتوقع صدور نتائج متباينة. ولا يقتصر التعثر على هذا المشروع، إذ سبقه انسحاب من "يورودرون" وتعثر في برامج الدبابات المستقبلية، ما يعكس أزمة أوسع في التعاون الدفاعي الأوروبي. ضغط جيوسياسي... بين السيادة الوطنية والتكامل الأوروبي وتزداد هذه التوترات مع تصاعد النقاشات السياسية الداخلية في أوروبا، واحتمال صعود قوى يمينية، مثل فرنسا، تعزز التوجه نحو الصناعات الوطنية وتقليص دور بروكسل. في المقابل، يواجه الاتحاد معضلة بنيوية تتمثل في أن تعدد الأنظمة العسكرية يرفع الكلفة ويضعف التكامل ويزيد الاعتماد على الولايات المتحدة.  وتأتي هذه الخلافات في سياق دولي مضطرب مع استمرار الحرب في أوكرانيا والتوتر مع روسيا وتراجع الثقة بالالتزام الأميركي تجاه "ناتو". وتقول الباحثة في القضايا الدفاعية وسباق التسلح بمركز دراسات السياسة الدولية الدنماركي ترينا روسنغرين بايستروب لـ"العربي الجديد"، إن "مجمع الصناعات العسكرية الغربية يحقق أرباحاً غير مسبوقة"، معتبرة أن الحروب باتت "مختبرات مفتوحة" لاختبار الأسلحة، وأن الخلاف مع واشنطن يعكس تحولاً نحو مزيد من الاستقلالية الأوروبية. وفي هذا السياق، تتجه النقاشات نحو إعادة تعريف الأمن الأوروبي، بما في ذلك طرح فكرة "ناتو أوروبي" بقيادة أوروبية أكبر، وهو ما تعتبره بايستروب "نزعة نحو اقتصادات العسكرة". ويستند هذا التوجه إلى المادة 42.7 من معاهدة لشبونة التي تنص على الدفاع المشترك، على غرار المادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي. كما تُطرح سيناريوهات للتنسيق في حال تعرضت السيادة الأوروبية لتهديدات تقليدية أو هجينة. لكن رغم الزخم السياسي، يبقى التحدي في تحويل هذه الرؤية إلى قدرات فعلية، في ظل تضارب المصالح بين الدول واستمرار التنافس بين باريس وبرلين، وغياب تصور موحد للمنظومة الدفاعية المستقبلية، ما يعكس بحسب بايستروب عجزاً أوروبياً عن الاتفاق على نموذج دفاعي مشترك. وفي ضوء ما سبق، تقف أوروبا أمام مفترق حاسم بين بناء قوة دفاعية موحدة أو الاستمرار في نموذج مشتت قائم على التنسيق الجزئي، فيما يبدو أن سباق التسلح قد انطلق فعلياً لكن قواعده لا تزال موضع خلاف عميق.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows