Arab
فليُغمض كلّ واحد منّا عينيه، ويتخيّل أنّ هذا الذي يحدث أمامه في هذا الفيديو القصير الذي تقوم فيه جرافات إسرائيلية مدنية بتجريف أنقاض البيوت الجنوبية، يحدث له هو شخصياً. وأنّ البيت الذي فجّرته وسوّته إسرائيل بالأرض، هو بيته. بعدها، فلنُعاود مشاهدة هذا الفيديو مرّة أخرى بعيون مفتوحة ولنسأل أنفسنا: بم نشعر؟
ولنزد على ما سبق الإشارة إلى أنّ ذلك يحدث خلال ما سُمّي زوراً بهدنة الأيام العشرة، وهي "هدنة" لم تختلف جوهرياً عن أيّام الحرب إلا بكونها تركّز على خمس وخمسين قرية وبلدة جنوبية بدلًا من كلّ لبنان، يريد العدو محوها حرفياً وطمس معالمها لتكون، حسب تصريحاته، حاجز حماية لمستوطنيه في شمال فلسطين المحتلة. ففيمَ علينا أن نفكّر؟
من علينا أن نلوم؟ أنفسنا، لأنّنا كنّا نواصل حياتنا في أماكننا المُستقرّة إلى حدّ ما أمنياً، والمُحيّدة بقصد خبيث من الأعداء، أي بسبب لونها الطائفي الأيديولوجي، عن أعمال الإبادة الإنسانية والعمرانية التي ترتكبها إسرائيل بحقّ جزء كبير من الوطن؟ هل نلوم سكوتنا ولوذنا بهذا الأمان المُهين وطنياً، أم نلوم الدولة التي تنظر إلى ما يحصل كالعاجزة، مُتقاعسة حتى عن الشكوى إلا في ما ندر وبعد أن تبحّ الحناجر غضباً؟
ثم أقول في نفسي: أيّ دولة يا فتاة؟ أتلك التي لم تتوقّفي منذ سنوات عن الإشارة إلى تعفّن مؤسّساتها بالفساد والطائفية، والتي لم تتورّع المصارف فيها، وبرعاية المصرف المركزي عن سرقة أموال المواطنين في سابقة تاريخية؟
أم الدولة التي أوعزت إلى جيشها، جيشنا الوطني، والذي لا شكّ في عقيدته، بالانسحاب أمام العدو خلال الحرب؟ أهي الدولة التي أعطت أوامرها لاعتراض أيّ مواطن يريد أن يقاوم العدو حين غابت عن أبسط واجباتها، أم تلك التي سمحت بهروب وتهريب عملاء موصوفين يحملون على أياديهم دماء اللبنانيين بجرائم عمالة خلال الحرب؟ ألم تقولي مرارًا إنّها صارت مجرّد جثة تتحلّل تحت أنوفنا في الهواء الطلق؟ فلم تستغربين؟
صحيح، كنت أقول كلّ هذا، وهو محقّ وواضح، لكن القول شيء وتصوّر ما يعنيه ذلك مُجسّداً في هذا المشهد العصي على التخيّل، كان شيئاً آخر.
أقرّ جيش العدو الإسرائيلي بمواصلة تدمير المباني والقرى في لبنان على الرغم من هدنة وقف إطلاق النار المُعلنة
حتى اليوم، دمّرت إسرائيل ومسحت عمران خمس وخمسين قرية، وربّما أكثر، حتى تاريخ كتابة هذه السطور. أمّا تمديد "الهدنة" ثلاثة أسابيع فلن يكون إلا فرصة لمتابعة جرائمها التي لم تتوقّف يوماً عن ارتكابها، وها هي تتابعها، وما جريمة اغتيال الزميلة آمال خليل عن سابق إصرار وترصّد وصولًا إلى منع إسعافها إلا بعد التأكّد من استشهادها، إلا دليل واضح على ما نقوله. فما الذي فعلته هذه الدولة الزاحفة، حرفياً، عارية، حرفياً، إلى جلسة استسلام مُسمّاة زورًا بالمفاوضات المباشرة في واشنطن؟
وقد أقرّ جيش العدو بمواصلة تدمير المباني والقرى على الرغم من هدنة وقف إطلاق النار المُعلنة. وها هم بعض قادته يعترفون بذلك إلى صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية. لا بل إنّ الصحيفة العبرية ذكرت أنّ هؤلاء صرّحوا لها بأنّه "تم جلب العشرات من الآليات الهندسية إلى المنطقة في الأسابيع الأخيرة، وهي تُشغل بواسطة مقاولين مدنيين سبق أن "عملوا" على تدمير المباني في غزّة، ويتقاضى بعضهم مكافآت بناءً على عدد المباني التي دُمِّرت". ويضيف هؤلاء أنّ "ما يقارب 20 حفارة تعمل في وقت واحد على هدم واسع النطاق للمنازل، والمباني العامة، وحتى المؤسسات التعليمية" والدينية والرياضية، مضيفةً أن "الجيش" الإسرائيلي يطلق على هذه السياسة، انتبهوا، اسم "محراث المال".
وبالفعل، إنّ جيش اللصوص الجوعى لم يوفّر مقتنيات البيوت (سجاداً، تلفزيونات، أواني مطبخ، دراجات نارية..) التي نجح بدخولها قبل هدمها، من نهبه الموثّق بصور ينشرها هؤلاء اللصوص، علناً ومن دون أيّ رادع، حسب الصحيفة نفسها. يبدون في توحّشهم وفجعهم للمال، كالقبائل القديمة الغازية، يسرقون الغنائم ويغدون بها محمّلة حتى في داخل عربات نقل الجنود، لا بل إنّهم حتى يقتلعون الأشجار المُعمّرة وينقلونها. والأمر ليس بجديد، فلطالما سرق الجنود الإسرائيليون قطعان الماشية من الرعاة اللبنانيين، ونهبوا البيوت التي كانوا يقتحمونها ليس فقط في لبنان بل في فلسطين المحتلة وخاصة في غزّة.
تُجاهر الحكومة في كلّ لحظة بأنها ستنتزع حقوق لبنان بالدبلوماسية، كما لو أنّ الدبلوماسية مع العدو هي خيار واقعي
وهدم المباني لم يبدأ أخيراً. فمنذ أن وسّع الاحتلال عدوانه على لبنان في الثاني من آذار/مارس الماضي، كان يحاول إنشاء ما سمّاه "حزاماً أمنياً" في مناطق جنوب لبنان الحدودية، إلا أنّ عمليات المقاومة حالت دون تمركزه في العديد من القرى، وبالتالي حالت دون هدمه لها. لكن، مع تقدّم العدو إلى الداخل بعد إرساء الهدنة المزعومة، اغتنمت إسرائيل الفرصة لمتابعة إبادتها العمران في ظلّ صمت تام، إلا من أصحاب البيوت الذين كنت تكاد ترى دموعهم على وسائل التواصل وهم يراقبون عاجزين محو بيوتهم وقراهم الزاهرة. لا بل إنّ العدو، وتوخياً لمزيد من إهانة الدولة اللبنانية، يقوم بنشر فيديوهات يوثّق فيها ما يفعله من دون خوف من حساب أو قانون أو عقاب، كما أنّ الجنود يقومون بإهداء قتلاهم التفجيرات التي يقومون بها، تماماً كما سبق أن فعلوا في غزّة.
هذا ما يفعله العدو. فماذا فعلت حكومة لبنان؟ هذه الحكومة التي تُجاهر في كلّ لحظة بأنها ستنتزع حقوق لبنان بالدبلوماسية، كما لو أنّ الدبلوماسية مع عدو يعلن وينفّذ باستمرار نياته في احتلال الأرض وقتل المواطنين وتهجيرهم نهائياً منها، هي خيار واقعي لمن لا يمتلك أوراقاً يفاوض بواسطتها، اللهم إلا كرامة البلاد.
لكن ما امتنعت، أو لم تتخيّل هذه الدولة القيام به، خفّ إلى فعله مواطنون عاديون، مغتربون دمّرت بيوتهم في بلادهم الأصلية أمام أعين العالم، فدبوا الصوت في مغترباتهم للتجمّع ورفع دعاوى جماعية على حكومتهم الأميركية، التي تزوّد المحتل بقنابله وصواريخه وتموّله من ضرائبهم المدفوعة، لهدم.. بيوتهم!
هكذا، عقدت "الرابطة العربية-الأميركية للحقوق المدنية" مؤتمراً صحافياً الاثنين الماضي في مركز بنت جبيل الثقافي (ديربورن/ ميشيغن) أعلنت فيه رسمياً "بدء الإجراءات القانونية لرفع دعوى فيدرالية جماعية ضد الحكومة الأميركية نيابةً عن المواطنين الأميركيين وغيرهم ممن دُمِّرت ممتلكاتهم وحقوقهم القانونية في لبنان بشكل متعمّد وغير قانوني"، وللمطالبة بتعويضات ومحاسبة المسؤولين الحكوميين في واشنطن على ذلك.
أمّا المبتلون بجنسية لبنانية من دون دعم من جنسية أخرى، فما كان أمامهم إلا أن يخاطبوا العدو بتحدي أهل الأرض، ناشرين صور بيوتهم قبل الهدم وبعده تحت عنوان: "سنعيدها أجمل". وصدقوني، سيفعلون.
Related News
«حرب إيران» تزيد متاعب «القطاع الخاص» المصري
aawsat
12 minutes ago
فوائد التمدد الصباحي: كيف يوقظ جسمك بلطف؟
aawsat
14 minutes ago