Arab
أعاد الحكم القضائي الصادر بحق "مول الحوت" (بائع السمك المغربي عبد الإله العجوت) إلى الواجهة النقاش بشأن حدود حرية التعبير في الفضاء الرقمي، والمسؤولية القانونية المرتبطة بنشر محتويات قد تُصنّف مسيئة أو تشهيرية.
وأسدلت المحكمة الابتدائية في مراكش، أمس الثلاثاء، الستار على المرحلة الأولى من محاكمة "مول الحوت" بإدانته بخمسة أشهر حبساً مع وقف التنفيذ، إلى جانب غرامة مالية، مع منعه من مزاولة أنشطته عبر منصات التواصل الاجتماعي لمدة خمس سنوات ابتداءً من تاريخ الحكم، فضلاً عن إغلاق حساباته وقنواته الخاصة.
وقضت المحكمة بإرجاع الكفالة، والحكم بتعويض مدني لفائدة عبد الكريم زهرات بقيمة 40 ألف درهم (نحو 4300 دولار)، مع فرض غرامة تهديدية قدرها 200 درهم (21 دولاراً) عن كل يوم تأخير في التنفيذ.
وكان المتهم قد توبع في حالة سراح على خلفية تهم متعددة، من بينها التحريض على التمييز والكراهية عبر الوسائل الإلكترونية، والتقاط وتسجيل وبث صور شخص في مكان خاص من دون إذنه، إضافة إلى نشر ادعاءات ووقائع كاذبة بغرض المس بالحياة الخاصة والتشهير.
وتعود فصول القضية إلى نشر "مول الحوت" مقطع فيديو صوّر فيه أستاذه عبد الكريم زهرات في الشارع العام، وقارن وضعه المادي الحالي كصانع محتوى على منصات التواصل يمتلك سيارة فاخرة بالوضع المادي المتواضع لأستاذه، ما أثار موجة غضب واسعة في الأوساط التعليمية، واعتُبر مساساً بهيبة المدرس.
وفيما يُنتظر استئناف الحكم الابتدائي خلال الأيام المقبلة، يواجه "مول الحوت" متاعب قضائية إضافية، بعد تقدم عدد من منخرطي نادي الكوكب المراكشي لكرة القدم بشكوى ضده، على خلفية فيديو متداول اعتُبر مسيئاً للنادي وجماهيره.
وكان عبد الإله العجوت قد برز في مطلع عام 2025، بعدما أطلق مبادرة لبيع الأسماك، خصوصاً السردين، بأسعار منخفضة لا تتجاوز خمسة دراهم للكيلوغرام الواحد، مقارنة بأسعار راوحت بين 25 و30 درهماً لدى باقي الباعة. وأثارت المبادرة جدلاً واسعاً، إذ اعتبره البعض "بطلاً شعبياً" نجح في كسر الاحتكار والتخفيف عن ذوي الدخل المحدود، فيما رأى فيه آخرون "متطفلاً" يسعى لإثارة الفوضى في السوق.
واكتسب "مول الحوت" شهرته عبر اعتماده المكثف على مواقع التواصل الاجتماعي للترويج لنشاطه، من خلال نشر مقاطع فيديو يومية توثق عمليات البيع. غير أن علاقته مع وسائل التواصل لم تخلُ من أزمات قانونية، إذ سبق أن أوقف بعد تصوير فيديو لدورية أمنية من دون ترخيص، في تصرف اعتبرته السلطات خرقاً للقانون وإهانة لموظفين عموميين في أثناء أداء مهامهم.
ويأتي الحكم الأخير في سياق تصاعد القضايا المرتبطة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي في المغرب، وما تطرحه من إشكالات قانونية تتعلق بالمسؤولية الرقمية وحدود حرية النشر، في مقابل حماية الحياة الخاصة وحقوق الأفراد. وخلال الأشهر الماضية، لوحظ تشدد نسبي في تعاطي القضاء المغربي مع قضايا التشهير عبر الإنترنت، في محاولة للحد من استغلال الفضاء الرقمي للإساءة إلى الأفراد أو المس بكرامتهم.
وعلّق رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، إدريس السدراوي، على الحكم، قائلاً إن قرار منع "مول الحوت" من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمدة خمس سنوات يثير نقاشاً حقوقياً مشروعاً، خصوصاً في ظل تزايد قضايا التشهير الرقمي. وأوضح السدراوي، في حديث مع "العربي الجديد"، أن التصدي للتشهير والتحريض يُعد واجباً قانونياً لحماية كرامة الأفراد، ولا سيما في حالات التكرار والاستمرار رغم التنبيهات، معتبراً أن تقييد أو منع استخدام المنصات قد يكون مبرراً لوقف الضرر في مثل هذه الحالات.
غير أنه شدد على ضرورة أن يظل هذا النوع من العقوبات خاضعاً لضوابط دقيقة، أبرزها احترام مبدأ التناسب بين الفعل والعقوبة، وعدم تحويل المنع إلى إجراء مطلق يمسّ جوهر حرية التعبير، مع ضمان إمكانية مراجعة القرار قضائياً عند تغير المعطيات. وأضاف أن التحدي لا يكمن فقط في معاقبة التشهير، بل في تحقيق توازن دقيق بين حماية السمعة والحياة الخاصة، وضمان حرية الرأي والتعبير، مؤكداً أن مواجهة التشهير يجب أن تعزز دولة القانون، لا أن تتحول إلى مدخل لتقييد الحريات.
وفي ظل تزايد جرائم التشهير عبر الإنترنت، لا قانون مغربياً حتى الآن ينظم المجال الرقمي، إذ يُلجأ إلى مقتضيات القانون الجنائي. خلال جلسة برلمانية في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، أعلن وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد مهدي بنسعيد، توجهاً حكومياً لإعداد مشروع قانون شامل لتنظيم العالم الرقمي، يشمل المنصات وشبكات التواصل الاجتماعي، من دون أن يُعتمد حتى الآن. وأشار بنسعيد إلى أن المشروع يهدف إلى مواكبة التحولات التكنولوجية المتسارعة، وإيجاد توازن بين حرية التعبير وحماية القيم المجتمعية، ولا سيما الفئات الهشة، وفي مقدمتها القاصرون.

Related News
البراعم... مكونات صغيرة بقيمة غذائية كبيرة
aawsat
12 minutes ago