أطباء يحذرون من أمراضٍ تواجه أطفال غزة: جيل يتنفس رماد الإبادة
Arab
6 days ago
share
قد يدفع الأطفال الذين وُلدوا في خضم حرب الإبادة المتواصلة على قطاع غزة ثمناً صحياً يظهر بعد عقود. السبب في ذلك، عائدٌ إلى التعرض لموادَّ مثل الإسبستوس والسيليكا، وغبار الخرسانة، فضلاً عن ملوثات الهواء لأكثر من عامين ونصف العام، في ظل انعدام إمكانيات الوصول إلى الرعاية الطبية وحتّى وسائل تجنّبهم التعرض لهذه الملوّثات. ما سبق هو خلاصة تقرير نُشر قبل أيامٍ في مجلة Lancet Respiratory Medicine، التابعة لمجموعة The Lancet، وهي من أهم المجلات الطبية في العالم. التقرير الذي وقعه عدد من الأطباء بينهم البروفيسور الإسرائيلي، يسرائيل عاميراف، وهو طبيب كبير في وحدة أمراض الرئة لدى الأطفال في مستشفى إيخلوف الإسرائيلي، أقر بأن المواد التي يتعرض لها هؤلاء قد تسبّب ضرراً غير قابل لعلاج الرئتين وللجهاز التنفسي لدى جيل كامل من الأطفال والرضع، بما في ذلك أولئك الذين لم يولدوا بعد. إلى جانب البروفيسور عاميراف، وقع على التقرير أيضاً البروفيسور نفتالي كامينسكي، مدير قسم طب الرئة والعناية المركزة في كلية الطب بجامعة ييل؛ والدكتورة نبال أبو حسين من القسم نفسه في ييل؛ والدكتورة أرييتا سبينو من قسم علوم صحة السكان في كينغز كوليدج لندن؛ والدكتور أحمد الفرا، رئيس قسم طب الأطفال في مستشفى ناصر في قطاع غزة. وعلى الرغم من أن التقرير دُرج في خانة مقال الرأي العلمي، وليس البحث الطبي الأصلي الذي يستند إلى البيانات والأدلة، اعتمد الأطباء الموقعون عليه على بيانات الأقمار الصناعية وتقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة، مستعرضين موقفاً طبياً وعلمياً بشأن التداعيات التنفسية المتوقعة. وقد أتى بعدما نشر البروفيسور كامينسكي العام الماضي مقالاً قارن فيه بين الدمار في غزة وهيروشيما، متهماً إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية. ونُشر المقال آنذاك في المجلة الطبية المهمة "المجلة البريطانية الطبية الجديدة". وفي الصدد، قال كامينسكي إن هدفه من تسليط الضوء على المخاطر التي تعترض الأطفال الفلسطينيين في غزة هو "لفت انتباه المجتمع الطبي الدولي إلى المخاطر التنفسية الفريدة المرتبطة بظروف الحرب". وأضاف في مقابلة مع صحيفة "يديعوت أحرونوت"، اليوم الأربعاء، أنه "نتحدث عن مجموعة سكانية واسعة، أكثر من مليوني بالغ وطفل، تعرّضت على مدى سنتين ونصف لتلوث هواء شديد، بحيث قد نشهد بالفعل الآن الجيل القادم من مرضى أمراض الرئة". التعرض المزمن للجسيمات الدقيقة -ولو بمستويات منخفضة-يزيد من معدلات الوفاة، من دون وجود عتبة يمكن اعتبار ما دونها آمناً. وأظهرت بيانات الأقمار الصناعية التي استند إليها الأطباء ارتفاعاً ملحوظاً ومستمراً في تركيزات الغبار والدخان والرماد في الهواء، وكذلك في تركيزات أول أكسيد الكربون والميثان. ووفقاً لتقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة، فإن الدمار الواسع أدى إلى انهيار أنظمة الصرف الصحي وتراكم أكثر من 39 مليون طن من النفايات. ويحتوي جزء من هذه النفايات على مواد خطرة مثل: الأسبستوس، السيليكا، غبار الخرسانة، بولي فينيل كلوريد، المعادن الثقيلة، بقايا احتراق الوقود، إضافة إلى الأيروسولات الحيوية (الصُل الهوائي) الناتجة عن مياه الصرف الصحي. وتبقى هذه الملوثات عالقة في الهواء نتيجة استمرار عمليات الهدم، والطرقات المدمّرة والتي لم يُعد تعبيدها، فضلاً عن النوم في الخيام ما يعني استحالة عدم التعرض لهذه المواد. ولا يوجد، بحسب التقرير، حد آمن للتعرض لهذه الملوثات؛ فبحسب الأدبيات العلمية التي يستشهد بها الكتّاب، فإن التعرض المزمن للجسيمات الدقيقة -ولو بمستويات منخفضة-يزيد من معدلات الوفاة، من دون وجود عتبة يمكن اعتبار ما دونها آمناً. 3 مقارنات تاريخية توضح حجم الخطر في غزة ويقدّم الكتّاب ثلاث مقارنات تاريخية لتوضيح حجم الخطر، فقد تسبّب الضباب الدخاني في لندن عام 1952، الذي استمر خمسة أيام فقط، في وفاة 12 ألف شخص خلال أسابيع، وخلّف- بحسب ما ورد في نص التقرير- "جيلاً كاملاً يعاني ضعفاً ملحوظاً في وظائف الرئة، وارتفاع معدلات الربو مدى الحياة، وأمراضاً تنفسية أخرى". أمّا المقارنة الثانية، فقد استحضر فيها الأطباء هجمات 11 سبتمبر/أيلول من العام 2001؛ حيث تعرض الناجين لسحابة ضخمة من الغبار احتوت على خرسانة مكسّرة، أسبستوس، معادن وجسيمات دقيقة، وتسببت بحسبهم في "ضرر فوري في الجهاز التنفسي، أمراض مزمنة في مجاري التنفس، والسرطان، وأمراض جهازية طويلة الأمد استمرت آثارها حتى بعد عشرين عاماً". فضلاً عن ذلك، أصيب قدامى المحاربين في الجيش الأميركي الذين خدموا في العراق وأفغانستان وتعرّضوا للديوكسينات (مركبات سامة تنتج عن الاحتراق)، مركبات عضوية متطايرة، وجسيمات دقيقة، بأمراضٍ تنفسية، والتهاب القصيبات المُضيّق (التهاب في القنوات الهوائية الصغيرة يؤدي إلى تضيقها)، وأمراض متعددة الأجهزة. ويكمن الاختلاف الحاسم بين كل هذه الحالات والوضع في غزة، خصوصاً على مستوى العامل الزمني؛ إذ إن التعرّض المستمر لأكثر من عامين، لا يمكن تجنبه، داخل مساحة صغيرة لا يوجد منها مخرج، بحسب التقرير، الذي يشير إلى أن القلق الرئيس الذي ينتاب الأطباء الموقعين عليه، ينصبّ على الأطفال؛ إذ كتب هؤلاء أن "رئة الطفل ليست عضواً بالغاً مصغّراً، بل هي نظام ينمو بسرعة وهو شديد الحساسية". وبحسبهم "تتطور الرئتان من المرحلة الجنينية حتى مرحلة البلوغ المبكر، وخلال هذه الفترات تكون عرضة بشكل خاص لضرر قد يكون غير قابل للعلاج". دعوات إلى التدخل العاجل لإنقاذ أطفال غزة وفقاً للأطباء ستتطور الأمراض التنفسية التي يحذّرون منها على مراحل تمتد لسنوات؛ إذ بحسبهم الرُضّع والأطفال في سن ما قبل الدخول إلى المدرسة سيعانون صعوبات في التنفس وفرط حساسية في مجاري التنفس. وفي مرحلة مبكرة ستظهر أضرار في القصيبات الهوائية الصغيرة. وبحلول سن المدرسة يُتوقّع ضعف في تطوّر الرئتين. وخلال عقد من الزمن يُحتمل حدوث ضرر مزمن وغير قابل للعلاج في الجهاز التنفسي. وفي سن البلوغ قد يعاني المصابون مرض الانسداد الرئوي المزمن، إلى جانب أضرار تطورية وأيضية ناجمة عن نقص الأكسجين المزمن وسوء التغذية. وعلى خلفية ما سبق، أطلق الأطباء مصطلحاً جديداً سمّوه "متلازمة التعرض التنفسي لتلوث الحصار" والتي تتميز بتقاطع ثلاثة عوامل في الوقت نفسه؛ وهي: التعرض الطويل وغير القابل للتجنّب، وسوء التغذية، والتدمير المنهجي للبنية التحتية الصحية. وحذّر الأطباء من خطر كبير يتمثل فيما يسمونه "التطبيع الصامت"، أي حالة يستمر فيها التعرض من دون تصحيح، بينما يتراكم الضرر بعيداً عن الرصد العام والطبي على حد سواء. وأقروا في تقريريهم بأن "أطفال غزة لم ينالوا الاهتمام الذي يستحقونه". وفي ختام مقالهم، وجّه الأطباء نداءً إلى زملائهم في أنحاء العالم لاتخاذ إجراءات فورية وعاجلة، داعين "جميع جمعيات واتحادات طب الرئة إلى المطالبة بوقف فوري لجميع القيود على إدخال الإمدادات الطبية ودخول الطواقم الطبية إلى قطاع غزة، وإجلاء المرضى الذين يحتاجون إلى علاج، وتنظيم بعثات نشطة من مختصي طب الرئة مع المعدات والإمدادات اللازمة لعلاج الحالات الأكثر خطورة". مشددين على أن ذلك هو "واجب مهني وأخلاقي". إلى ذلك، أقر البروفيسور كامينسكي في حديث مع "يديعوت أحرونوت" بأن "جميع الإمدادات الطبية تعتمد على إسرائيل، ووفقاً للبيانات الأخيرة يُدخل أقل من نصف الاحتياجات، ما يسبب نقصاً في الأدوية، بينما لم يبدأ التعافي في البنية التحتية الطبية بعد. وقد ألغت إسرائيل تراخيص 37 منظمة، بما في ذلك أطباء بلا حدود"، في إشارة إلى الوضع المتفاقم باستمرار. وأكد أن الهدف من تسليط الضوء على القضية "يهدف إلى تأكيد الحاجة إلى بحث ومتابعة ورصد طويل الأمد لصحة الجهاز التنفسي لدى من وُلدوا في ظل الحرب، خاصة الأطفال والنساء الحوامل".

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows