لبنان أم هايتي؟
Arab
1 hour ago
share
لم تكن موافقة رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه برّي على التمسّك الحرفي باتفاق الطائف الذي أوقف الحرب اللبنانية (1975 ـ 1990)، وتطبيقه كاملاً، سوى جزء من مسار سيُفضي إلى إخراج لبنان من تسارع مشاريع الوصايات عليه، إثر سقوط الوصيّ السوري في عام 2005، وبدء سقوط الوصيّ الإيراني في العام الحالي، المسار المُراد له أن يُرسّخ وجودية لبنان ضمن عالم عربي، والتفاعل معه. وبرز هذا في نقطتَين جوهريَّتَين. الأولى، عقد ندوة "علاقات مجلس التعاون مع لبنان"، تحت عنوان "التحدّيات والمُحفِّزات" في الرياض (الثلاثاء الماضي)، إذ أكّد الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي أنّ "دول الخليج تنظر إلى لبنان بوصفه جزءاً أصيلاً من محيطه العربي، وركيزةً مهمّةً في استقرار المنطقة". وذكّر البديوي بموقف دول الخليج لجهة "ضرورة التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن 1701 (وضع حدّاً للعدوان الإسرائيلي على لبنان صيف 2006)، والدعم الكامل لمؤسّسات الدولة اللبنانية، والترحيب بالخطوات التي تتّخذها الحكومة لبسط سيطرة الدولة على كامل أراضيها، وحصر السلاح بيدها، بوصف ذلك أساساً لا غنى عنه لاستعادة الاستقرار، وبناء الثقة مع المجتمعَين العربي والدولي". وأكّد أنّ "مجلس التعاون يؤمن بأنّ دعم لبنان لا يمكن أن يكون أحادي الجانب، بل هو مسؤولية مشتركة"، مؤكّداً أنّ "استقرار لبنان يرتبط بشكل مباشر بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وحدها، وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، بما يضمن سيادة الدولة ويمنع الانزلاق إلى صراعات إقليمية". في هذه النقطة، كان واضحاً أنّ دول الخليج ترفض تمويل أيّ إعادة للإعمار في لبنان، كما اعتادت أن تفعل بعد الحرب اللبنانية (1975 ـ 1990)، ثم عدوان صيف 2006، ما لم يُطبّق حصر السلاح، أي تسليم سلاح حزب الله. ويعني ذلك القطع مع الوصاية الإيرانية، في ظلّ عدم استجابة طهران لمطلب الدولة اللبنانية (سحب اعتماد السفير الإيراني المعيّن محمّد رضا شيباني، وإعلانه شخصاً غير مرغوب فيه، ومطالبته بمغادرة البلاد). النقطة الجوهرية الثانية تتمثّل في المساعي السعودية مع برّي الذي بموافقته على تطبيق اتفاق الطائف (لم يكن ضده) يكون، بوصفه رئيس السلطة الثانية في هرمية النظام السياسي، قد منح شرعيةً لمسار سحب سلاح حزب الله، وإن ربطه بضرورة وقف إطلاق النار في لبنان وإتمام الانسحاب الإسرائيلي من جنوب البلاد. برّي أصلاً كان عرّاب اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل في 2022، ولن يتردّد في السعي إلى أن يكون عرّاباً لترسيم بَرّي، وحتى أيّ اتفاق أمني تحت عنوان "هدنة 1949 مع تعديل ما"، من أجل تطبيع الوضع الميداني فترة، والانتهاء من أيّ حروب إسناد مستقبلية. كما أغلق برّي الباب أمام أيّ محاولة محتملة لتعديل "الطائف" أو إطاحته. ما الذي يعنيه ذلك؟ يعني أنّ مسار حصر السلاح لم يعد مجرّد هدف بعيد المنال، بل أصبح مسعى داخلياً متفقاً عليه بين أركان السلطة مرفقاً بدعم خليجي، في مقابل انسحاب إسرائيلي شامل من الأراضي اللبنانية، ووقف الاعتداءات على البلاد، وإقفال الجبهة اللبنانية المفتوحة منذ عام 1969 إلى أمد غير منظور. في موازاة ذلك، يبقى الدور الأساسي للدولة اللبنانية التي ضاقت بها سبل الخيارات ولم يعد أمامها مجال للهرب أو الاختباء. هناك واقع يُرسم، ومفهوم "الدولة الفاشلة" الذي يوصف به النظام اللبناني. على سبيل المثال، لا يُمكن للدولة تطبيق خطّة أمنية في بلدة نائية في لبنان، فكيف بموضوع مثل حصر السلاح؟ هذه الإشكالية تجعل قوة الشرعية الرسمية خاضعةً لشرعية القوة التي يملكها المسيطر على الأرض. اليوم اسمه حزب الله، وأمس كان المسيطر أطرافاً لبنانية وفلسطينية. لبنان الآتي، عملياً، لا يملك ترف إهدار الفرصة لتمكين الشرعية، ربّما للمرّة الأولى منذ عقود، من إثبات وجودها. البديل من ذلك هايتي أخرى في قلب الشرق الأوسط.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows