Arab
تتجه البعثة الأممية إلى اعتماد آلية جديدة ضمن خريطتها للحل السياسي في ليبيا، تقوم على جمع "مجموعة مصغّرة" من الفاعلين الليبيين، في خطوة تكشف معطيات متقاطعة أنها تمثل توجهاً نحو إعادة ترتيب مسارات العملية السياسية وآليات إدارتها، في محاولة لدفع خريطة الحل المتعثرة بعد أشهر من الانسداد والتجاذبات بين الأطراف المحلية. وخلال إحاطتها أمام مجلس الأمن، أمس الأربعاء، كشفت المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه عن شروع البعثة بالفعل في التواصل مع "مجموعة مصغّرة" من الفاعلين الليبيين، بهدف إيجاد "سبل للخروج من حالة الانسداد السياسي الراهنة، وتمهيد الطريق أمام المؤسسات الليبية لتنفيذ المرحلتين الأوليين من خريطة الطريق".
وبرز الحديث عن "الطاولة المصغّرة" خلال الأيام الماضية، عقب تسريبات تداولتها مواقع إخبارية ليبية بشأن مراسلة وجهتها البعثة إلى كل من حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس وقيادة خليفة حفتر، طالبت فيها بترشيح ممثلين عنهما للمشاركة في اجتماعات محدودة لمناقشة القضايا العالقة المرتبطة بتنفيذ خريطة الطريق. واستجاب الطرفان للطلب، إذ ضمت ترشيحات حكومة طرابلس شخصيتين من المجلس الأعلى للدولة، فيما شملت ترشيحات قيادة حفتر شخصيتين من مجلس النواب.
لكن، وبحسب ما انفردت به "العربي الجديد" في وقت سابق، فإن الطاولة لن تقتصر على أربعة ممثلين للطرفين، بل ستضم شخصيات ليبية أخرى من أجسام ومؤسسات سيادية مختلفة، وهو ما أكدته تيتيه في إحاطتها أمس. وفي تفاصيل جديدة، كشفت مصادر ليبية متعددة لـ"العربي الجديد" أن البعثة تواصل اتصالاتها مع شخصيات من مختلف الأجسام السياسية لإضافة أسماء جديدة ترفع مستوى التمثيل، من المرجح أن يكون من بينها ممثل عن المجلس الرئاسي.
ووفقاً للمصادر نفسها، فإن أجندة "الطاولة المصغّرة" لن تقتصر على المسار السياسي فقط، بل ستشمل أيضاً المسارين العسكري والاقتصادي، في انعكاس واضح لتبني البعثة جانباً مهماً من المقاربة الأميركية التي قادها مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس خلال الأشهر الماضية، ونجحت في إحداث اختراق نسبي في المسارين العسكري والاقتصادي قبل أن تتعثر عند المسار السياسي.
وبحسب معلومات المصادر، فإن الملفات المطروحة على الطاولة ستتوزع بين تعديل القوانين الانتخابية وتهيئة المفوضية العليا للانتخابات للعمل، وهي الملفات التي أخفق مجلسا النواب والدولة في حسمها، إلى جانب ملفات تتعلق بالسياق العسكري، تمهيداً للبناء على هذه التفاهمات في المسار السياسي الخاص بتوحيد السلطة التنفيذية.
وفيما تحاول البعثة تضمين شخصيات على صلة بما تحقق في المسارين العسكري والاقتصادي والبناء عليه، تقول المصادر إن البعثة تتواصل حالياً مع شخصيات "المجموعة المصغّرة" كلّ على حدة، تمهيداً لعقد أولى جلسات الطاولة "الأسبوع المقبل".
وتشير معلومات المصادر نفسها إلى أن الأجواء داخل البعثة لا تزال تعكس استمرار عدم التوافق الكامل بين تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري، التي كانت وراء الدفع باتجاه اعتماد آلية "الطاولة المصغّرة" ضمن خريطة الطريق، تحت مبرر احتواء المقاربة الأميركية وعدم تركها تسير بالتوازي مع المسار الأممي، وهو ما يفسر إبقاء تيتيه هامش التحرك مفتوحاً وعدم إغلاق الباب نهائياً أمام الآلية الجديدة، إذ أقرت خلال إحاطتها أمس "بوجود تحفظات" بشأن الطاولة، وقالت: "إذا لم يُحرز تقدم كافٍ، فسأعود إلى هذا المجلس لتقديم اقتراح من شأنه الدفع قدماً بالعملية استناداً إلى أحكام الاتفاقات السياسية القائمة".
وفي موازاة ذلك، برز تحول نسبي في مواقف بعض الأطراف الليبية المعارضة لخطوة البعثة، فقد أبدى المجلس الرئاسي موقفاً أكثر مرونة مقارنة بموقفه المتشدد السابق، مرحباً بما ورد في إحاطة تيتيه، إذ اعتبر أنها تعكس "إدراكاً متقدماً لتعقيدات المرحلة"، وأكد دعمه لأي "جهد أممي متوازن" يقود إلى انتخابات وطنية وفق قوانين توافقية وبمشاركة جميع الليبيين دون إقصاء. ومن أبرز مؤشرات التراجع النسبي في موقف المجلس الرئاسي حديثه عن "اختراقات وتنازلات ملموسة من بعض الأطراف السياسية مقارنة بمواقفها السابقة"، بما يعكس استعداداً أكبر للتعامل مع مسار التسويات المطروح حالياً.
وفيما بدا بيان المجلس أقرب إلى إعادة تموضع في محاولة للبقاء داخل معادلة التفاوض والتأثير في أي تسوية مقبلة، صعّد المجلس الأعلى للدولة من موقفه الرافض، إذ عقد جلسة طارئة أمس، قرر خلالها تجميد عضوية أي عضو يشارك في "الطاولة المصغّرة" من دون تكليف رسمي منه، كما وجه رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس طالب فيها بـ"تصويب مسار عمل البعثة"، معتبراً أن توجهها نحو تبني مقترح "الطاولة المصغّرة" يمثل تجاوزاً للمؤسسات الشرعية وإقصاءً لمجلسي الدولة والنواب من العملية السياسية. واتهم المجلس البعثة بنقل دورها من "تيسير الحوار" إلى "فرض مسارات بديلة" خارج المرجعيات السياسية المعتمدة، محذراً من أن تشكيل لجان محدودة الصلاحيات ومن دون غطاء قانوني سيؤدي إلى تعميق الانسداد السياسي.
وفي المقابل، يواصل مجلس النواب التزام الصمت الكامل حيال الخطوة، إذ لم يصدر عنه أي موقف مؤيد أو رافض أو حتى مطالب بتوضيحات، في انعكاس واضح لهيمنة قيادة حفتر، باعتبارها طرفاً أساسياً في الطاولة، على موقف المجلس. إلا أن قيادة حفتر نفسها تبدو أمام تباينات داخلية تتعلق بتمثيلها في المسار الجديد، إذ لا تزال الخلافات قائمة بين أبناء حفتر على خلفية محاولة صدام حفتر الانفراد بتمثيل والده داخل الطاولة. فرغم تراجع دور بلقاسم حفتر، رئيس جهاز التنمية وإعادة الإعمار، إثر إدخاله ضمن الاتفاق التنموي الموحد الموقع في 10 إبريل/نيسان الجاري بين طرابلس وبنغازي، لا يزال شقيقه خالد حفتر، الذي يشغل منصب رئيس الأركان في قوات والده، يحتفظ بموقف متحفظ تجاه المسار الجديد. فقد أبلغ خالد ستيفاني خوري، خلال لقائه بها الأحد الماضي، بتمسكه بحصر مسارات الحل ضمن "إطار وطني جامع"، في موقف يعكس استمرار تحفظه على مقاربة البعثة. كما شدد خلال اللقاء على أهمية توحيد المؤسسة العسكرية عبر آليات "وطنية ومهنية"، مع ضرورة الحفاظ على استقلال هذه المسارات بعيداً عن أي تأثيرات خارجية.
ويبدو واضحاً أن التحفظات التي يبديها خالد حفتر ترتبط أساساً بالمسار العسكري، خصوصاً بعد اقتصار التمرينات العسكرية التي رعتها القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا "أفريكوم" بمدينة سرت مؤخراً على قوات تتبع شقيقه صدام، مقابل قوات تابعة لحكومة الوحدة الوطنية. وفي مؤشر على صلة المجلس الرئاسي بالمسار العسكري، وخلال موقفه المتراجع، اتجه رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي إلى إعادة ترتيب موقعه داخل المشهد العسكري، مستفيداً من صفته قائداً أعلى للقوات المسلحة، إذ أصدر، أمس، حزمة جديدة من الترقيات العسكرية شملت 12 قائداً عسكرياً في قطاعات مختلفة، وهي المجموعات نفسها التي كان قد التقاها خلال تصعيده السابق ضد المقاربة الأميركية وتبني البعثة لها.
وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن البعثة الأممية تبدو ذاهبة نحو إعادة توزيع أدوار مسارات خارطة الطريق، عبر نقل الملفات المرتبطة بالقوانين الانتخابية وتهيئة المفوضية العليا للانتخابات، اللتين أوكلتهما في السابق إلى مجلسي النواب والدولة، إلى ممثلين عنهما داخل "الطاولة المصغّرة"، بالتوازي مع تقليص دور لجنة "الحوار المهيكل" في المسارين الاقتصادي والأمني، ونقل الملفات الجوهرية إلى الطاولة الجديدة، مع إرجاء ملف تشكيل سلطة موحدة إلى المراحل الأخيرة من التفاوض.
لكن هذه المقاربة الأممية تواجه تحديات قانونية وسياسية معقدة، أبرزها كيفية مواءمة عمل الطاولة ومخرجاتها مع الوثائق الدستورية الناظمة للعملية السياسية، وفي مقدمتها الإعلان الدستوري واتفاقا الصخيرات وجنيف. فبحسب هذه المرجعيات، تبقى مناقشة القوانين الانتخابية وتهيئة المفوضية العليا للانتخابات من اختصاص مجلسي النواب والدولة، ما يعني أن أي تفاهمات قد تنتج عن "الطاولة المصغّرة" ستحتاج عملياً إلى مصادقة المجلسين. كما تواجه البعثة اعتراضات من أطياف سياسية ومجتمعية ترى أن حصر التسوية بين سلطتي طرابلس وبنغازي فقط يرسّخ الانقسام ويقصي بقية الفاعلين من العملية السياسية.

Related News
ما فوائد فيتامين «د» لصحة الأعصاب؟
aawsat
4 minutes ago
علامة غير مألوفة لسرطان الثدي قد تمر دون اكتشاف
aawsat
16 minutes ago
دمج سلس للتشكيلات العسكرية في حضرموت
aawsat
16 minutes ago