Arab
هناك من يحرسنا من دون أن ندري، ومن دون أن نكلّفهم، أو نعطيهم أجورهم. أشياء مجهولة لنا تحرسنا، أشياء غامضة تقوم بذلك من غير تكليف منّا، لأنّنا رحنا في نوم عميق من دون أن يكون بجوارنا الطبيب أو العلاج أو أجهزته الحسّاسة، فقط نمنا.
أشياء بسيطة هناك كانت تحرُسنا بعدما تركنا الجسد غافياً يعمل بطاقاته الكامنة حتى نستيقظ بعد ساعات ونرى مرّة أخرى تلك الأشياء التي تركناها حولنا منذ ساعات، مثل كتبنا وأخبار العالم وهواتفنا وأهوال الحروب وتصريحات الساسة، ووجه العالم بضباب حروبه وقنابله الذكية أو الغبية، وبقية الأخبار الأخرى عن حال الأنهار البعيدة والطقس ودرجات الحرارة أو البرودة المنتظرة، وملابسنا التي تركناها قبل نومنا معلّقةً هكذا، فارغةً منّا وكأنّها تستغرب عودتنا مرّة أخرى أو يقظتنا أو لبسها أو غسلها، كي نمشي إلى المقهى بها ومعنا فلوسنا في جيوبنا أو محافظنا، كي يعرفنا الناس بسبب تلك الملابس وبمشيتنا المعهودة لنا، وكأنّ الدنيا تنتظرنا بحالها، بعدما عدنا من ذلك النوم. هل كانت تحرُسنا أمنياتنا وبقية تلك الأشياء التي جمعناها خلال أعمارنا، مثل قطعة أرض أو أرغفة تركناها في الثلاجة أو زجاجة ماء باردة أو محفظة فيها فلوسنا أو بعض أوراق فيها أرقام للهواتف أو سطور تركناها في كتبنا التي قرأناها، كي نتأمّلها فيما بعد بمرارة بعدما مرّت على كلماتنا سنوات سريعة هكذا بخفّة شديدة؟ أشياء هناك كانت تحرسنا من دون أن نعطيها الأجر ومن دون أن نختارها أو نشكرها أو نتباهى بها أمام عيالنا أو الأصدقاء. أشياء لا نلمسها أبداً، لأنّها شبه غامضة، فهل هي تشبه صدى الحياة وقد نامت داخلنا وسكنت داخلنا من دون أن ندري وتحرسنا؟
الغريب أنّنا نصحو من نومنا فجأةً ونتأمّل في بقايانا التي تُظهر فينا على مهل ملامح الوجه. تلك الأحلام التي صاحبتنا وقد صارت مهشّمة الآن، تلك الوجوه والكوابيس التي كانت معنا في ذلك النوم، تلك الحكايات المبتورة التي صاحبتنا وتلك الحقول التي رأيناها للمرّة الأولى في نومنا وكانت مزروعة بالسمسم أو أشجار اللوف أو الخِروع، وتلك المدن التي دخلناها بخيلنا للمرّة الأولى بعدما عبرنا ذلك النهر الجاف وبعض بقايا أهل تلك البلاد وهم هناك يصنعون من الحرير ثياباً تباع فور صناعتها لأناس فوق خيول وقد أتوا من وراء جبال عالية، هل تلك الأشياء الغامضة كلّها، التي كانت هناك مع بقايا الحروب التافهة، كانت تشترك أيضاً في حراسة نومنا، وهناك أيضاً هؤلاء الأصدقاء الذين ماتوا من سنوات أو الذين لم نعد نراهم في دنيانا، وحتى القبور أيضاً، وحتى أمهاتنا، وغالباً يكون مجيئهن للاطمئنان على حالنا، والغريب أنّ أسنانهنّ تبدو جميلةً ونظيفةً ونقوش ثيابهن البسيطة نفسها، وهنّ جالسات تحت شجر التوت التي تنبت أوراقها جميلة في الميعاد نفسه من السنة مع احمرار أو اصفرار النبق على فروع شجرة، مع إطلاق الحجارة بأيدينا صوب تلك الفروع، مع صوت وشكل قطارات السكّة الحديد المحمّلة بعيدان القصب إلى بني أحمد أو أبو قرقاص، مع صوت الرفّاص في البحر، مع جنازات لا نعرف أصحابها وأشخاص أو شخص يقرأ القرآن ثم نتركه وحيداً بعدما نحمل على الأكتاف خشبة الميّت ونعود إلى بلداتنا، كي نسأل عن أسعار اللحم ونلمس الأوراق الخشنة بعد أن يلفّ لنا الجزّار فيها اللحم ونلمس نعومته. أشياءُ غامضةٌ تحرس نومنا، مثل عمّال شركات بناء الجسور الغرباء، أو ذلك الطيّار البلغاري الذي يرشّ أشجار القطن وقد هبط بطائرته على الجسر بالقرب من الترعة واستحمّ وهو يضع نظارته، وقد كان يشبه خالي حينما عاد من ثغرة الدفرسوار بعد أن استطال شعره الجميل شهوراً طويلةً وكان يضحك ويقهقه في دكّان الحلّاق، وجدّي العجوز بساعة جيب وهو يتأمّل رأسه الحليق ويسأله عن شعرة، وقد مات بعد سنة من ذلك المشهد فوق سريره، وكم كنت حزيناً وأنا أسمع أصوات تنفّسه الصعب في أوائل مرحلة الثانوية العامة، ذلك الرجل الطيّب الذي دهن لي السبّورة بالأسود وكان يعلّق شريط القياس وهو في الثمانين في مسمار بجوار الدولاب ويسألني كلَّ حين عن الكلمات والمدرسة وجدول الضرب، ويغلق لي أزرار جلبابي في أوقات الشتاء.
ما هذه الأشياء كلّها التي تحرسني وأنا في عزّ النوم؟ أشياء تتهشّم فور أن أستيقظ وأجد في جواري ملمس شعر القطّ، وكأنّه يسألني أين كنت، أو لماذا تأخّرت عليه بالطعام، فأقوم على الفور أفتح الثلّاجة، فيدسّ رأسه في ضوء الثلاجة مبتهجاً، فأدرك أنّ العالم ينتظرني، وفم القطّ ينتظرني، وأخبار الحرب هي الأخرى تنتظرني، ومضيق هرمز هو الآخر يكون معي في المشهد، والقطّ يترك تلك الحكايات كلّها لي وقد دسّ فمه في الطبق.

Related News
قضية الإيغور تعود إلى الواجهة بشهادات من الداخل
alaraby ALjadeed
48 minutes ago