Arab
استأنفت الهيئة الليبية للبحث والتعرّف على المفقودين (حكومية) أعمالها في مواقع المقابر الجماعية بمدينة ترهونة، بعد توقف دام عدة أشهر، ضمن جهود البحث عن المفقودين، وذلك بعد مرور نحو خمس سنوات على الإبلاغ عن اختفاء بعضهم.
وأكدت "رابطة ضحايا ترهونة" الإبلاغ عن نحو 66 مفقوداً يُعتقد أن جثامينهم ما زالت داخل مقابر جماعية لم تُفتح بعد، مشيرة إلى أن استئناف الهيئة أعمالها جاء بعد اجتماعها مع وفد من الرابطة في الثاني من إبريل/نيسان الجاري، والاستماع إلى مطالبهم.
وخلال الاجتماع، كشفت الهيئة لوفد الرابطة العديد من الجوانب المرتبطة بالعمل الميداني، بما فيها المواقع المشتبه بأنها مقابر جماعية، والتي يواجه العمل فيها صعوبات، نتيجة تراكم مخلفات البناء، مؤكدة أنها ستعمل على معالجة هذه الإشكالية بالتنسيق مع الجهات المختصة.
ونقلت الرابطة عن مسؤولي هيئة المفقودين الحكومية أسباب تأخّر استئناف عملها، التي تعود إلى عدة عوامل، من بينها نقص الإمكانات الفنية، مثل معدات الحفر، والأدوات التقنية اللازمة، إلى جانب ضعف الدعم المالي، فضلاً عن انشغال الفرق بمتابعة كوارث شهدتها بعض المدن الليبية، من بينها تداعيات الإعصار "دانيال" في مدينة درنة ومحيطها.
ومنذ بدء عمليات انتشال الجثث من مقابر ترهونة في منتصف عام 2021، أعلنت الهيئة انتشال 353 جثة من نحو 80 مقبرة داخل المدينة، من بينها 43 مقبرة جماعية، و37 مقبرة فردية.
ويعود اكتشاف هذه المقابر إلى الفترة التي أعقبت انسحاب القوات التابعة للواء المتقاعد خليفة حفتر من محاور جنوب طرابلس، في منتصف عام 2021، والذي رافقه انسحاب مليشيا "الكانيات" التي كانت تسيطر على مدينة ترهونة. وبعدها اكتشف الأهالي أن العديد ممن كانت تعتقلهم هذه المليشيا جرت تصفيتهم، ودفنهم في مقابر موزعة في أكثر من موقع داخل المدينة.
وحظيت القضية باهتمام محلي ودولي واسع، وبادر أهالي الضحايا إلى تأسيس "رابطة أهالي ضحايا ترهونة"، بهدف متابعة التحقيقات، وإيصال صوتهم إلى السلطات والرأي العام المحلي والدولي، كما أصدرت الرابطة العديد من البيانات لمواكبة تطورات ملف البحث عن جثث ذويهم. وعلى الصعيد الدولي، برزت القضية ضمن الملفات التي عملت عليها بعثة تقصي الحقائق التي شُكلت للتحقيق في الانتهاكات في ليبيا.
ورغم الترحيب بعودة الهيئة إلى استئناف أعمالها، والإشادة بجهودها، يلفت الناشط الحقوقي، فيصل حميدان، إلى جانب لا يقل أهمية، يتعلق بضرورة تزامن عودة أعمال الهيئة مع تنشيط المسار الأمني والقضائي لملاحقة المتورطين في جرائم المقابر الجماعية، مؤكداً أن بعض المتورطين لا يزال يحظى بحماية من السلطات في مناطق شرق ليبيا، فيما يعيش آخرون بحرية في دول الجوار، من دون أن تتمكن السلطات القضائية والأمنية من جلبهم.
ويوضح حميدان لـ"العربي الجديد"، أهمية مواصلة العمل لكشف مصير بقية المفقودين، والاستمرار في التعرف إلى هويات الجثث التي جرى انتشالها، لكنه يحذر في الوقت ذاته من خطر ضياع الحقوق مع مرور الزمن، مؤكداً أن "المجرمين ومن تورط في دعمهم يعوّلون على ذلك".
ومنذ الإعلان عن اكتشاف المقابر الجماعية في ترهونة، أعلنت النيابة العامة إصدار مذكرات قبض محلية ودولية بحق مسؤولين عن هذه الجرائم، مع تعميم أسمائهم على الأجهزة المختصة. وفي يونيو/حزيران 2024، أعلن النائب العام صدور حكم بالإعدام بحق أحد المتورطين في القضية، قبل أن تتصاعد وتيرة ملاحقة المتهمين خلال العام الماضي، إذ أعلنت النيابة العامة في يونيو 2025، حبس ستة متهمين من عناصر مليشيا "الكانيات"، بعد ثبوت تورطهم في عمليات خطف وقتل خلال فترة سيطرتهم على ترهونة، ومشاركتهم في العمليات العسكرية التي رافقت الهجوم على العاصمة طرابلس.
وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام ذاته، أعلنت النيابة القبض على أحد القياديين البارزين في المليشيا، مع تحريك دعوى عمومية ضد قيادي آخر بتهمة قتل عشرات المحتجزين داخل أحد مراكز الاحتجاز في ترهونة، كما أُودع متهم ثالث الحبس الاحتياطي، عقب اعترافه بارتكاب عدد من جرائم القتل منذ عام 2016.
وتعكس هذه التطورات توجّه القضاء الليبي نحو توسيع نطاق المحاسبة، من خلال تتبع المتورطين، لكن الحقوقي فيصل حميدان لا يرى ذلك كافياً، ويلفت إلى أن "لقاء وفد الرابطة مع مسؤولي الهيئة مؤخراً، يعد بمثابة تشجيع ودعم، لكنه لا يلغي استمرار مطالبة الأهالي بمحاسبة المتورطين بشكل فعلي. القضية لا تقتصر على متابعة البحث عن المفقودين، بل تتطلب أيضاً تشكيل رأي عام يضغط باتجاه دفع سلطات شرق البلاد إلى الإقرار بوجود عناصر متورطة لديها، وضرورة توقفها عن توفير الحماية لهم، مع إمكانية استثمار توجه السلطات نحو معالجة بعض الملفات الجنائية المرتبطة بفترات الحروب".
وفي أكتوبر 2024، أعلنت المحكمة الجنائية الدولية رفع السرية عن ست مذكرات اعتقال صادرة بحق قادة وأعضاء في مليشيا "الكانيات" المتورطة في جرائم مقابر ترهونة، لكن لم يجر القبض على أي منهم حتى الآن، رغم أن بعضهم معروف مكانه، وبعضهم يعمل ضمن مسلحي حفتر، أو يقيم في دول الجوار.
