الإسلام السياسي... التغيير ومواكبة متغيرات العصر أو فشل المشروع
Arab
1 week ago
share
لا تزال حركات الإسلام السياسي تثير الضجيج حول شعبيتها الواسعة في الشارع العربي والإسلامي، وتربط هذه الشعبية والفوز بقلوب الجماهير بصوابية خيارها الفكري والسياسي ونجاعة الأساليب التي تتبناها في حل المشكلات التي يعاني منها المسلمون، مع أنها، إما لم تدخل تجربة عملية، أو دخلت وفشلت، ولكنها ترفض اعتبار التجارب الفاشلة مقياساً للحكم عليها.  فهل هي قادرة بصيغتها الحالية على تحقيق التغيير والازدهار؟ ... لقد منحت مكانة الإسلام في قلوب المسلمين حركات الإسلام السياسي مبرّرات الوجود والانتشار، وذلك للدور التكويني والبنيوي الذي لعبه الإسلام في تشكيل شخصية المسلمين وتاريخهم. لكن تبنّي المرجعية الإسلامية؛ الذي يضع صاحبه في تطابق واتساق مع عقيدة المجتمع، فيجعل قدرته على التواصل والتفاهم مع المواطنين عالية واستقطابهم وتحشيدهم كبيران؛ لا يجعل إقامة مجتمع متطور ومزدهر تحصيل حاصل، فالإيجابيات والمكاسب، التي ينطوي عليها تبني المرجعية الإسلامية، حسّاسة وقابلة للعطب، لأنها كما يمكن أن تكون نقطة قوة يمكن أن تتحول، إذا لم يدرك أصحاب هذا الخيار ما يكتنف خيارهم من عقبات، إلى نقطة ضعف قاتلة ذلك لأن رؤى الإسلام العقدية مركبة ومتشابكة إلى حد الالتباس ما يسمح بتعدّد القراءات/الخيارات، ويستدعي التفكر والبحث الجاد والعميق لاعتماد القراءة الأنسب في كل زمان ومكان، خصوصاً وأن الإسلام، الذي تسمح رؤاه بتعدّد القراءات، قد اختطفته القراءات السائدة التي تحولت، بسبب تقديس الأسلاف واعتبار اجتهاداتهم فوق النقد والتمحيص، إلى مذاهب مغلقة لا تقبل المراجعة بحيث أصبحت هي الدين وليست قراءة له قابلة للجرح والتعديل. كما ترتب على هيمنة العقل الفقهي المرتكز إلى النقل والناسخ والمنسوخ والقياس، وتضخّم الفقه، نتيجة اتساع التجربة الإسلامية مكاناً وزماناً، نشوء حالة يمكن وصفها بـ "التذرر الفقهي" وبالتالي المجتمعي، حيث صار بإمكان كل منا أن يدعم موقفه الراهن بالاستناد إلى واقعة تاريخية أو رأي فقهي، فصار المسلمون موحّدين في العنوان مختلفين في البيان. وهذا جعل إمكانية التوافق على تصور إسلامي موحد مسألة بالغة الصعوبة والأهمية في آن. هذا بالإضافة إلى هيمنة فكر الأشاعرة والماتريدية، الذي يحيل كل ما يجري في الكون إلى الله ويُسقط حرية الفعل عن الإنسان، على الفكر الإسلامي وتأطيره وتنميطه سلوك المسلمين. تيارات داخل السلطة السورية الجديدة ما زالت متمسكة بأدبيات جبهة النصرة وتعمل على التذكير بهذه الأدبيات لقد وضع ما ورد أعلاه حركات الإسلام السياسي أمام اختبار جدي لقدرتها على تجاوز العقبات العامة والذاتية، وأولها حل المأزق العقدي، الذي نشأ بسبب التعارض بين منطلقات القرآن الكريم، التي تشير إلى وجود سنن ونواميس عامة تحكم الكون، بما فيه من جماد ونبات وحيوان وإنسان وسنن ونواميس خاصة بكل جنس؛ وأن المطلوب من الإنسان اكتشاف هذه السنن والنواميس وتوظيفها في مواجهة الواقع بمشكلاته وصعوباته، وبين تخريجات الفقهاء وعلماء الكلام، الذين بنوا تخريجاتهم على السنن والنواميس العامة، وتجاهلوا الخاصة وحوّلوا الإنسان إلى كائن مسيّر بلا حول ولا قوة، يقتصر دوره على تنفيذ ما يقدّره الله عز وجل، حل هذا المأزق بتقديم بديل عن هذه التخريجات، حل يتأسس على الجمع بين السنن والنواميس العامة، والسنن والنواميس الخاصة، في معادلة متكاملة، والنظر فيما يتيحه الجمع من تخريجات واستنتاجات، بدءا بالحرية التي وضعها الخالق في فطرة الإنسان، وجعلها أساس تميزه في الكون، حل فكري يعيد الاعتبار للكليات التي جاءت في الذكر الحكيم باكتشافها وتوظيفها في التعاطي مع الواقع وقواه الفعلية، فكر يبحث عن تجسيد المشيئة الإلهية الواردة فيه في السنن والنواميس التي وضعها الله عز وجل في الكون كأساس للسببية، وعن تجسيد القضاء والقدر في الحتمية التي تترتب على عمل السنن والنواميس الحاكمة وارتباط ذلك بسلوك الإنسان ودوره في استخدامها لمواجهة مشكلاته، وثانيها مراجعة اجتهادات الأسلاف التي حصلت في سياق قدرات علمية ومنهجية صاغها مجتهدون، بما ملكوه من إطلاع ومعرفة في زمانهم، وقدرة شخصية على الإدراك والاستنتاج، والتي جنح بعضها عن المنطق السليم في التخريج والاستنتاج، كالجبرية والمرجئة والمجسّمة والحشوية، التي أدخلت المسلمين في مسالك لا طائل منها، مع أن القرآن الكريم قد دعا إلى عدم الخوض في الذات الإلهية، وزادت السلفية الطين بلة بتعريفاتها للتوحيد: توحيد اللوهية والربوبية والأسماء والصفات، فأدخلتهم في حالة توجس أن يكونوا وقعوا في المحذور وزاغوا عن التوحيد، تخريجات عقيمة لم تثمر في تطوير حياة المسلمين، إلا بعد تطعيمها بعلوم وإبداعات ثقافات الشعوب التي دخلت الإسلام، والاطلاع عليها عبر ترجمة كتبها الفلسفية والعلمية وهضمها، نهضة فكرية وعلمية وعمرانية عظيمة أتاحت للمسلمين مواجهة ظروف ومشكلات زمانهم قبل أن تبلغ أقصى ما تنطوي عليه من إمكانات وتتراجع في مواجهة أفكار واجتهادات وإبداعات جديدة أبدعتها عقول في حضارات أخرى، وزاد استمرار التسليم بالأفكار والتخريجات السابقة ومواصلة التصرف وفقها الطين بلة حيث غدت وصفة لاستمرار الجمود الحضاري والانحطاط الاجتماعي. الشرعية والشعبية توفران إمكانية وترتبان مسؤولية وهذه تفرض إعادة نظر في المنهج الفكري السائد وثالثها مواجهة حركات الإسلام السياسي لحالتها الفكرية والسياسية، وممارساتها في ضوء الاجتهادات الجديدة، بدءاً بنزع قميص القداسة والتحدث باسم الإله والشرع الإسلامي وإطلاق أوصاف على تجربتها ذات دلالة دينية مثل: الرسالة، الدعوة، الشرع، الوحي، النص، تحيطها بهالة من القداسة، وتضفي على أدبياتها وشخوصها سمات فوق بشرية تجعلها فوق النقد والمراجعة، واستثمار هذه الهالة في طبع المؤمنين بها، بروحية قائمة على القبول والتسليم من دون تدقيق وهذا عطّل الحس النقدي لديهم، ونمى الاستعداد للتلقي والتنفيذ، والإقرار بالطبيعة البشرية لاجتهاداتها والقبول بالمراجعة والتقييم وسحب فكرة "المحنة" (الله هو الذي قدّر أن يُضطهد الإسلاميون حتى يمتحنهم ويجزيهم على قدر صبرهم) التي رفعتها في مواجهة المطالبة بالتقويم والنقد الذاتي من التداول، وتخلي تيارات التشدد في هذه الحركات، بمن في ذلك تيارات داخل السلطة السورية الجديدة ما زالت متمسكة بأدبيات جبهة النصرة وتعمل على التذكير بهذه الأدبيات عبر الضغط على أبناء الأديان والمذاهب الإسلامية الأخرى بالقتل تارة وبإهانة رموزها الدينية والمذهبية تارة أخرى، عن أخذ دور الله في الحياة الدنيا، عبر محاسبة البشر ومعاقبتهم، بعد الحكم عليهم بالكفر أو الردة، في تعارض تام عن التوجيهات الإلهية الواردة في القرآن الكريم، حيث معاقبة الكافر والمرتد حق الله وزمانه في الآخرة. قال تعالى "وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" و"إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا". فالشرعية والشعبية توفران إمكانية وترتبان مسؤولية وهذه تفرض إعادة نظر في المنهج الفكري السائد، المنهج الذي ضخّم الجانب الدعوي والتنظيمي على حساب الجوانب العقلية والسياسية والاجتماعية، وقاس الأوضاع والجماعات بمقياس عقدي، ما جعله يقسّم البشر إلى أخوة وأعداء، ويرفض ليس فقط الثقافات الأخرى بل حتى فكر المدارس الإسلامية المختلفة عنه، والتخلي عن النظرة النكوصية للواقع والتي تجعل الماضي خيراً من الحاضر وتحكّم الأموات في الأحياء، والعودة عن الروحانية إلى العقلانية، وعن النزعة الدعوية إلى التثقيف العلمي والسياسي. وهذا يستدعي التفكير والعمل الجاد لتحرير المسلمين من ثقافة التواكل والدعاء لحل المشكلات، بالتأكيد على العمل والحياة وفق مقتضى السببية والحتمية؛ الشيء الذي لم تبذل حركات الإسلام السياسي من أجله جهداً، لأنها لم تجعل هدفها تغيير المجتمع بل الهيمنة والسيطرة عليه، من جهة، ولأن هاجسها (قل هوسها) الإمساك بالسلطة السياسية من خلال حشد العامة، لا تحريرهم من السلبيات التي تقيد حياتهم، من جهة ثانية، عملا بمقولتهم الأثيرة: إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows