Arab
لا يمكن فصل قيام آليات تابعة للمستوطنين، بحماية قوات الاحتلال الإسرائيلي، بتجريف مدرسة "المالح" في الأغوار الشمالية الفلسطينية بالضفة الغربية فجر اليوم الثلاثاء، عن سياق متكامل يهدف إلى فرض واقع تهجيري دائم في المنطقة. تبدو هذه الخطوة، وفقاً لمراقبين، وكأنها حلقة جديدة في سلسلة إجراءات تهدف إلى منع أي عودة محتملة للأهالي الذين أُجبروا على مغادرة المنطقة، بفعل الاعتداءات المتكررة للمستوطنين خلال الفترة الماضية.
لا إمكانية للعودة.. تطهير صامت
بعد تفريغ تجمع "المالح" ومحيطه من سكانه بفعل الترهيب، وهدم المساكن، ومصادرة الممتلكات، يأتي استهداف المدرسة، باعتبارها مرفقاً حيوياً ورمزاً للاستقرار، ليغلق الباب نهائياً أمام إعادة الحياة إلى المكان. يقول نصار حمدي، وهو أحد المهجرين ووالد طفلين كانا يدرسان في مدرسة المالح، لـ"العربي الجديد": "المدرسة هنا لا تُعامل على أنها مبنى فقط، بل عنصر بقاء، وبقاؤها كان يعني إمكانية عودتنا واستئناف الحد الأدنى من الحياة، على صعوبتها. لذلك فإن إزالتها بشكل كامل تحمل دلالة واضحة على نية محو أي مقومات لعودة السكان".
حمدي، الذي يحمل شهادة عليا في الإدارة ويعمل حالياً راعياً للأغنام، يوضح: "الهدم بات أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا البشرية. هذا هو التطهير الصامت الذي تنفذه إسرائيل في المناطق المصنفة (ج) وفق اتفاقية أوسلو. يبدأ بالتضييق على مصادر الرزق، ثم يتدرج إلى الاعتداءات اليومية، التي تشمل القتل والضرب لدفع السكان إلى الرحيل، ولا ينتهي عند محو البنية التحتية التي قد تشجعنا على العودة". ويضيف: "تجريف المدرسة والمنشآت المحيطة بها، بعد تهجير كل العائلات وعددها 16 عائلة، لا يترك أي مساحة لإعادة البناء، بل يكرّس واقعاً جديداً خالياً من السكان، يسهل السيطرة عليه لاحقاً أو ضمه إلى مخططات أخرى". ويؤكد حمدي أن "غياب أي مظاهر للحياة، كالتعليم والخدمات، يحوّل المكان إلى منطقة طاردة. للأسف، لم يعد هناك ما يدفعني إلى البقاء، لا رعي، ولا ماء، ولا مدرسة للأولاد".
وكانت المدرسة التي هُدمَت تضم طلبة من الجنسين من الصف الأول حتى الرابع الأساسي. وحتى العام الماضي، كان عدد الطلبة فيها 70 طالباً وطالبة، ثم تناقص العدد مع بداية العام الدراسي الحالي إلى 30، ثم إلى 16، قبل أن تُفرغ بالكامل، فيما كان يعمل فيها سبعة موظفين.
استهداف التعليم
واقتحمت مجموعة من المستوطنين تجمّع المدرسة فجر اليوم، ونفذت عملية هدم للمدرسة والمساكن المحيطة بها، التي كانت تمثل شريان الحياة التعليمي لأبناء التجمعات البدوية في الأغوار الشمالية، إذ وفرت بيئة تعليمية أساسية للأطفال في ظل غياب البدائل.
ويقول مدير تربية أريحا والأغوار، عزمي بلاونة، لـ"العربي الجديد"، إن "ما جرى في المالح يمثل انتهاكاً صارخاً لحق الأطفال في التعليم، واعتداءً مباشراً على أحد أهم مقومات الصمود الفلسطيني في الأغوار". ويؤكد أن "هذه المدرسة لم تكن مجرد مبانٍ تعليمية، بل شكلت رمزاً للتحدي والإصرار على البقاء في الأرض رغم كل الظروف".
ويشير بلاونة إلى أن الاحتلال يتعمد استهداف المدارس في المناطق المصنفة "ج" لكونها تشكل نقطة ارتكاز للوجود الفلسطيني، موضحاً أن هدمها يندرج ضمن سياسة تهدف إلى تفريغ هذه المناطق من سكانها، عبر حرمانهم الخدمات الأساسية، وعلى رأسها التعليم. ويبيّن أن وزارة التربية تبذل جهوداً مستمرة لإعادة بناء المدارس المهدمة وتوفير بدائل تعليمية مؤقتة، إلا أن هذه الحلول تبقى محدودة في ظل تكرار عمليات الهدم، وغياب أي حماية دولية فعالة لهذه المؤسسات. ويؤكد أن المطلوب اليوم "تحرك دولي جاد لوقف هذه السياسات، ومساءلة الاحتلال عن انتهاكاته، إلى جانب دعم صمود السكان في المناطق "ج" من خلال تعزيز البنية التحتية والخدمات الأساسية".
واقع صعب في الأغوار
وتُعد الأغوار الشمالية من أكثر المناطق استهدافاً في الضفة الغربية، حيث تتعرض التجمعات البدوية فيها لاعتداءات متكررة تشمل هدم المنازل والمنشآت، ومصادرة الأراضي، ومنع البناء، إلى جانب التضييق على مصادر المياه والرعي. ويؤكد مسؤول ملف الاستيطان في الأغوار معتز بشارات، لـ"العربي الجديد"، أن هدم المدرسة يأتي ضمن مخطط أوسع يستهدف التجمعات البدوية في المنطقة، مشيراً إلى أن المستوطنين يواصلون اعتداءاتهم بشكل شبه يومي، سواء عبر الهدم أو الترهيب أو مصادرة الممتلكات. ويرى بشارات أن غياب الردع يشجع على تكرار هذه الاعتداءات، ويزيد من معاناة السكان الذين يعيشون ظروفاً إنسانية صعبة، في ظل نقص الخدمات الأساسية، والتهديد الدائم بالتهجير.
وخلال السنوات الماضية، شهدت المناطق المصنفة "ج" إنشاء عشرات "مدارس التحدي"، التي أقيمت غالباً من مواد بسيطة، وفي ظروف صعبة، لتلبية احتياجات الطلبة في المناطق النائية والمهمشة، إلا أن هذه المدارس كانت هدفاً دائماً لقرارات الهدم، بحجة البناء دون ترخيص. ويشدد بشارات على أن استهداف هذه المدارس لا ينفصل عن السياسات العامة للاحتلال في الضفة الغربية، التي تسعى لفرض واقع جديد على الأرض، من خلال تقليص الوجود الفلسطيني في المناطق الاستراتيجية، وتعزيز التوسع الاستعماري.
مخاوف من التسرب المدرسي
ويحذر مختصون من أن استمرار هدم المدارس سيؤدي إلى ارتفاع نسب التسرب من التعليم، خصوصاً بين الأطفال في التجمعات البدوية، ما يفاقم من الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، ويؤثر سلباً بمستقبل جيل كامل. وبينما تتواصل عمليات الهدم، يبقى أطفال الأغوار أمام تحدٍّ يومي للحفاظ على حقهم في التعلّم، في ظل واقع يفرض عليهم السير في طرق وعرة، والجلوس في صفوف مهددة في أي لحظة، في صورة تختصر معاناة التعليم تحت الاحتلال.

Related News
«إن بي إيه»: بيلي دونوفان مدرب شيكاغو بولز يترك منصبه
aawsat
5 minutes ago
كيف تحسّن تدفق الدم؟ 7 أطعمة فعّالة
aawsat
11 minutes ago