Arab
في شوارع دمشق، حيث تختلط أصوات الباعة بنداءات السيارات، وتتصاعد رائحة القهوة من المقاهي الصغيرة لتذوب في دخان العوادم، لم يعد وجود الأطفال العاملين مشهداً استثنائياً، بل تحوّل إلى قاعدة يومية تفرضها ظروف الحرب والفقر، حيث تُستبدل الحقائب المدرسية بأكياس البلاستيك، وتُختصر الطفولة بساعات عمل طويلة تمتد من الصباح حتى المساء.
لم تأتِ هذه الظاهرة من فراغ، بل هي حصيلة سنوات طويلة من الحرب، وما خلّفته من نزوح واسع، وفقدان للمعيل، وتفكك في البنية الأسرية، إلى جانب انهيار اقتصادي متواصل جعل تأمين الاحتياجات الأساسية معركة يومية لأسرٍ كثيرة. وفي ظل هذا الواقع، لم يعد العمل بالنسبة إلى آلاف الأطفال خياراً، بل ضرورة قاسية للبقاء.
عند إشارة جسر الحرية في وسط دمشق، يتكرّر المشهد يوميّاً. يقف أكثر من عشرة أطفال في آن، يتقاسمون السيارات القادمة
العمل بدل المدرسة
في حي القدم، جنوبي دمشق، يبدأ تميم، ذو 13 عاماً، يومه مع أول خيط ضوء. يحمل كيساً كبيراً على كتفه، تفوح منه رائحة النفايات، ويتجه نحو الحاويات المنتشرة في الحارات، يبحث بين القمامة عن البلاستيك والمعادن القابلة للبيع. يداه الصغيرتان متسختان دائماً، ومليئتان بخدوش اعتادها حتى لم يعد يلتفت إليها.
نزحت عائلته من ريف دمشق بعد غارة جوية أفقدت والده يده اليمنى، ليصبح عاجزاً عن العمل. ومنذ ذلك الوقت، تغيّرت أدوار الأسرة بالكامل، ليجد تميم نفسه في موقع المعيل. يقول لـ"سورية الجديدة": "أعمل من الصبح للمسا، وإذا كان في شغل تحميل بروح... لازم نعيش". لم يعد يذهب إلى المدرسة منذ ثلاث سنوات، واكتفى بما تعلّمه في الصف الرابع، بينما تحوّل يومه إلى رحلة شاقة بين الحاويات والأسواق.
ورغم انشغاله الدائم، لا يخفي شعوره بالحسرة عندما يرى أطفالاً في عمره يحملون حقائبهم المدرسية. يتوقف أحياناً للحظات، يراقبهم بصمت، قبل أن يعود إلى عمله، كأن تلك الحياة لم تعد تخصه.
عند إشارة جسر الحرية في وسط دمشق، يتكرّر المشهد يوميّاً. يقف أكثر من عشرة أطفال في آن، يتقاسمون السيارات القادمة، ويتسابقون لبيع المناديل أو تنظيف الزجاج مقابل بضع ليرات. بعضهم يركض بين السيارات المسرعة، غير آبه بخطر الدهس، فيما يتعرض آخرون للصراخ أو الإهانة. هنا، لا مكان للطفولة، بل فقط سباق يومي من أجل تأمين لقمة العيش.
في حي الزاهرة جنوبي دمشق، تقف شيرين الغصة، ذات العشر سنوات، ساعات طويلة عند إشارة المرور، تحمل علب المناديل وتتنقل بين السيارات. تحفظ وجوه السائقين، وتعرف من قد يشتري ومن سيتجاهلها. نزحت عائلتها من ريف حماة بعد تدمير منزلهم، فيما يعاني والدها من إصابة في ساقه جعلته غير قادر على العمل بشكل منتظم.
تقول شيرين، وهي تمسح العرق عن جبينها، لـ"سورية الجديدة": "كنت أحبّ المدرسة، وكان عندي أصدقاء، بس ما عاد فينا نكفي". تضيف أنها تحتفظ بدفتر قديم كانت تكتب فيه، تفتحه أحياناً في المساء، وتتصفح صفحاته بصمت، دون أن تعرف إن كانت ستعود إليه يوماً.
تقضي يومها تحت الشمس صيفاً، وتحت المطر شتاءً، محاولة بيع أكبر عدد ممكن من العلب. وفي نهاية اليوم، تعود بما يكفي بالكاد لشراء الخبز وبعض الحاجيات الأساسية. إلى جانبها، تجلس والدتها التي تبيع الخبز، وتراقب ابنتها بصمت. تقول: "ما كنت بدي خليها تشتغل، بس شو بدنا نعمل؟ بدنا نعيش".
بلا مأوى ولا ذاكرة آمنة
محمد، الطفل الذي لم يتجاوز الثانية عشرة، انتهى وحيداً في الشارع بعد وفاة والديه في ريف دمشق. لا يملك مأوى ثابتاً، ولا حتى اسماً يُنادى به كثيراً، إذ بات يُعرف بين الباعة بـ"الولد الصغير". يتنقل بين زوايا الأسواق، وينام خلف أكشاك الكهرباء أو في أماكن مهجورة، ويعمل بجمع البلاستيك ليؤمّن قوت يومه. يرفض الحديث مطولاً عن حياته، ويهرب كلما اقترب منه أحد. يقول سائر شاهين، أحد الباعة في المنطقة لـ"سورية الجديدة": "صار له سنتين هون.. بينام ورا كولبة الكهرباء وبيشتغل بجمع البلاستيك.. وكل ما حدا يقرب منه بيهرب". يبدو الخوف واضحاً في تصرفاته، كأنه فقد القدرة على الثقة بأي شخص.
لا تختلف حكاية منير البدوي، ابن الـ15 عاماً والمنحدر من حي الشيخ سعيد في حلب، كثيراً عن هذا الواقع. فقد والده في السنوات الأولى للثورة، ثم نجا مع شقيقه الأكبر مصطفى وحدهما من قصفٍ استهدف الملجأ الذي احتمت فيه العائلة، وقضى على بقية أفرادها. خرج الطفلان لاحقاً مع قوافل الإجلاء من حلب، قبل أن يستقرا في شمال إدلب بلا معيل أو مأوى دائم.
يقول منير لـ"سورية الجديدة" إنهما تنقلا بين الأرصفة والمباني المهجورة، وعاشا من بيع البسكويت في الشوارع، ومسح زجاج السيارات، وجمع البلاستيك. أما ليلاً، فكانا يتشاركان بطانية قديمة حصلوا عليها من أحد المارة. ويضيف شقيقه مصطفى أنهما عملا لاحقاً في تنظيف المسابح صيفاً، ثم في مزرعة للحيوانات مقابل أجور زهيدة بالكاد تكفي ثمن الطعام.
سنوات التشرد تركت آثارها عليهما، إذ دخلا في مشكلات متكررة، وتعرضا للتوقيف أكثر من مرة بسبب النوم في الشوارع أو الشجار، في صورة تلخص كيف يدفع غياب الحماية الأطفال إلى مسارات قاسية لا تشبه أعمارهم.
وفي إدلب، يروي الفتى كريم، البالغ 16 عاماً، كيف اضطر إلى ترك المدرسة بعد مقتل والده في غارة جوية عام 2017. يقول لـ"سورية الجديدة" إنه الابن الأكبر، ولذلك وجد نفسه مسؤولاً عن إعالة أسرته، فالتحق بورشة لصيانة السيارات في المنطقة الصناعية ليساعد أخوته. ويضيف أن والدته تزوجت وسافرت إلى تركيا بعد عام من وفاة والده، ليبقى كريم وأخواه في بيت جدته التي حاولت رعايتهم، لكنها توفيت بعد أشهر. ومنذ ذلك الوقت، أصبح الفتى مسؤولاً عن نفسه وعن شقيقيه، ما دفعه إلى دخول سوق العمل مبكراً. بالنسبة إليه، لم يكن ترك التعليم خياراً، بل استجابة لواقع فرضته الحرب وغياب المعيل.
أكثر من 600 ألف طفل سوري كانوا يعيشون بلا مأوى ثابت أو في ظروف خطرة حتى عام 2020، وهو رقم يُرجح أن يكون قد تضاعف مع تفاقم الأزمة الاقتصادية في السنوات الأخيرة
طفولة مؤجّلة لفتيات أيضاً
لم تعرف سلينا المرعي، ذات 13 عاماً، ملامح والدها يوماً. قُتل في ريف حمص قبل أن تولد، بينما كانت جنيناً، لتكبر منذ اللحظة الأولى على غيابٍ لم تفهمه بعد. ولم تكتمل المأساة عند هذا الحد، إذ توفيت والدتها في أثناء الولادة، فوجدت الطفلة نفسها منذ ساعاتها الأولى بلا أب ولا أم.
لم يكن أمام العائلة سوى عمها المسن، الذي تجاوز الستين، ليتكفل برعايتها بما يملك من قدرة محدودة. عاش الرجل سنواته الأخيرة محاولاً أن يمنحها شيئاً من الأمان، لكن الفقر والنزوح وتقلبات الحرب كانت أقسى من قدرته على الاحتمال.
ومع اشتداد الظروف، بدأت رحلة التشرد مبكراً. فمنذ أكملت عامها الخامس، تنقلت سلينا بين بيوت أقارب وأماكن إقامة مؤقتة، من دون استقرار حقيقي. كانت تكبر وهي ترى الأطفال يذهبون إلى مدارسهم، فيما تنشغل هي بالبحث عن مكان تنام فيه أو وجبة تكفي يومها.
تحاول اليوم أن تصنع لنفسها طريقاً مختلفاً، فبدأت تتعلم مهنة قصّ الشعر داخل أحد الصالونات الصغيرة، أملاً في أن تمتلك حرفة تقيها الحاجة. تقول بخجل إنها تحب رؤية النساء والفتيات وهن يغادرن الصالون أكثر سعادة، وتشعر بأن تعلم المهنة قد يمنحها فرصة لحياة أقل قسوة. وبين المقص والمرآة، تحاول سلينا ترميم ما كسرته سنوات الحرب.
أرقام تتضاعف وواقع يزداد قسوة
تفيد تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) بأن أكثر من 600 ألف طفل سوري كانوا يعيشون بلا مأوى ثابت أو في ظروف خطرة حتى عام 2020، وهو رقم يُرجح أن يكون قد تضاعف مع تفاقم الأزمة الاقتصادية في السنوات الأخيرة. لا تبقى هذه الأرقام مجرد إحصاءات، بل تنعكس يومياً في وجوه أطفال مثل تميم وشيرين ومحمد ومنير وكريم وسلينا، الذين يعيشون تفاصيلها بكل قسوتها. تحاول الأسر في سورية التكيّف مع حقبة جديدة من تاريخ البلاد بعد 14 عاماً من الصراع الوحشي، وتدعو "يونيسف" إلى تقديم الدعم العاجل لضمان أن تكون حياة الأطفال في المستقبل آمنة ومزدهرة.
ويُقدّر أن أكثر من 75% من أطفال سورية، البالغ عددهم 10.5 ملايين طفل، وُلدوا خلال سنوات الحرب، ما يعني أنهم عاشوا طفولتهم بأكملها في ظل التهجير والعنف والدمار. ورغم أن الغالبية من الأطفال العاملين أو المشرّدين هم من الذكور، إلا أن حضور الفتيات في الشوارع يشهد تزايداً ملحوظاً، خصوصاً في الحدائق العامة والمناطق الحيوية. وتواجه هؤلاء الفتيات مخاطر مضاعفة، تبدأ من التحرش ولا تنتهي عند الاستغلال الجنسي، في ظل غياب الحماية الكافية.
تبعات نفسية وصحية
يوضح الباحث في علم النفس الاجتماعي، رامي المحمود، أن ما يحدث اليوم هو نتيجة تراكمات معقدة، تجاوزت حدود الفقر لتصبح ظاهرة بنيوية. ويقول لـ"سورية الجديدة" إن "عمالة الأطفال لم تعد مجرّد نتيجة للفقر، بل تحولت إلى آلية بقاء لدى كثير من الأسر، خاصة في ظل غياب المعيل أو عجزه". ويضيف أن الطفل الذي يُجبر على العمل في سن مبكّرة لا يخسر تعليمه فقط، بل يفقد أيضاً إحساسه بالأمان والاستقرار، ويكبر وهو يحمل أعباء نفسية تفوق عمره. ويوضح أن كثيرين من هؤلاء الأطفال يعانون من اضطرابات نفسية، مثل القلق المزمن وفقدان الثقة بالنفس، نتيجة التعرّض المستمر للضغط والخوف. ويحذر المحمود من أن غياب الدعم النفسي والاجتماعي قد يدفع بعض هؤلاء الأطفال لاحقاً إلى سلوكيات خطرة، مثل العنف أو الانخراط في أنشطة غير قانونية، لافتاً إلى أن أخطر ما في الظاهرة تطبيعها مجتمعياً، حيث بات يُنظر إلى عمل الأطفال كأمر اعتيادي.
ومن الناحية الصحية، تبدو الصورة أكثر قتامة. إذ يعاني الأطفال العاملون والمشرّدون من أمراض جلدية ومُعدية، إضافة إلى سوء تغذية مزمن، في غياب الرعاية الصحية المنتظمة. كما أن كثيرين منهم لم يتلقوا اللقاحات الأساسية، ما يجعلهم عرضة لأمراض يمكن الوقاية منها بسهولة. ويؤدّي العمل في بيئات ملوثة، مثل النفايات أو الورش الصناعية، إلى مضاعفة المخاطر الصحية، بما في ذلك الإصابات الجسدية والتسممات والتهابات الجهاز التنفسي، ما يهدد نموهم الجسدي على المدى الطويل.
وفي هذه الظروف، تتراجع فرص هؤلاء الأطفال في العودة إلى التعليم، ما يعمّق دائرة الفقر ويجعل الخروج منها أكثر صعوبة في المستقبل. فكل سنة يقضيها الطفل خارج المدرسة، تقطع جزءاً من طريقه نحو حياة أكثر استقراراً، وتدفعه أكثر نحو سوق عمل غير منظم يستنزف طفولته.
الأطفال لا يعملون لأنهم يريدون، بل لأن الظروف تدفعهم إلى ذلك. بين إصابة أب، أو غياب معيل، أو تهجير قسري
قوانين موجودة.. وتطبيق غائب
لا تخلو المنظومة التشريعية السورية من نصوص تهدف إلى حماية الأطفال. إذ يحدد قانون العمل سناً أدنى للعمل، ويمنع تشغيل الأطفال في الأعمال الخطرة أو الشاقة، كما ينص قانون حقوق الطفل رقم 21 لعام 2021 على ضرورة حمايتهم من الاستغلال الاقتصادي وضمان حقهم في التعليم. لكن هذه القوانين، رغم وضوحها، تبقى، في أحيانٍ كثيرة، غير مطبقة بالشكل الكافي. ويوضح عضو نقابة المحامين بدمشق، المحامي عروة وردة، أن المشكلة لا تكمن في نقص التشريعات، بل في ضعف تنفيذها. ويقول لـ"سورية الجديدة" إن "الواقع الاقتصادي الصعب يدفع الجهات المعنية إلى التعامل مع عمالة الأطفال حالة اجتماعية أكثر منها مخالفة قانونية، ما يقلل من فعالية الرقابة".
ويضيف أن تشغيل الأطفال في ورش الحدادة والميكانيك، كما هو شائع، يُعد مخالفاً صريحاً للقانون، لكنه يحدُث علناً في غياب المتابعة. ويوضح أن بعض أصحاب العمل يستغلون حاجة الأطفال، فيشغّلونهم بأجور منخفضة ومن دون أي ضمانات، فيما قد تصل حالاتٌ إلى مستوى الاستغلال المنظم أو الاتجار بالبشر، خصوصاً عند توظيف الأطفال ضمن شبكات للتسول.
ويرى وردة أن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على الجانب القانوني، بل يجب أن تترافق مع سياسات اجتماعية واقتصادية شاملة، توفر دعماً حقيقياً للأسر الفقيرة، وتعيد الأطفال إلى المدارس. ويؤكد أن أي محاولة للحد من عمالة الأطفال ستبقى محدودة ما لم يتم التعامل مع جذور المشكلة، وفي مقدّمتها الفقر وفقدان المعيل.
جيل يكبر قبل أوانه
على الأرض، تبدو هذه الحقيقة واضحة في تفاصيل الحياة اليومية. الأطفال لا يعملون لأنهم يريدون، بل لأن الظروف تدفعهم إلى ذلك. بين إصابة أب، أو غياب معيل، أو تهجير قسري، يجدون أنفسهم في مواجهة مسؤوليات تفوق قدرتهم، فيكبرون بسرعة، ويخسرون سنوات من طفولتهم. ومع الوقت، يصبح العمل جزءاً من هويتهم، وتبتعد المدرسة أكثر فأكثر عن حياتهم، ما يقلل من فرصهم في تغيير واقعهم مستقبلاً. وهكذا، تتحول عمالة الأطفال إلى حلقة مفرغة، تبدأ بالحاجة وتنتهي بإعادة إنتاجها عبر الأجيال.
ورغم اتساع الظاهرة، تبدو المبادرات المخصّصة لمعالجتها محدودة الأثر، وغالباً ما تقتصر على مساعدات مؤقتة أو حملات موسمية لا تمس جذور المشكلة.

Related News
مكفارلين متحسراً: كان بإمكاننا الفوز على ليفربول
aawsat
6 minutes ago