الرشادبرس- تقرير
في الوقت الذي تحوّلت فيه وسائل التواصل الاجتماعي إلى “عقل جمعي” بديل، يبرز التساؤل الجوهري حول المآلات الأخلاقية والقيمية لهذا الانخراط الرقمي الكثيف. وفي هذا السياق، تأتي المقالة التحليلية للشيخ الدكتور- محمد بن موسى العامري-“حفظه الله “، تحت عنوان “محتويات التواصل بين الإحسان والإساءة”؛ لتقدم تشريحاً بنيوياً لمحتوى الشبكات الاجتماعية من منظور شرعي وحضاري، متجاوزةً التوصيف السطحي إلى التقعيد الفلسفي والأخلاقي.
إعادة تعريف البيئة الرقمية: الوعي والسلوك
ينطلق الدكتور العامري من فرضية مفادها أن المنصات الرقمية ليست مجرد “أدوات تقنية” صماء، بل هي فضاءات فكرية مركزية تعيد هندسة الوعي البشري وتوجيه السلوك الفردي. ويرى العامري أن هذه البيئة المفتوحة أصبحت مرآةً عاكسة للصراع الأزلي بين الحق والباطل، والإحسان والإساءة، مؤكداً أن خطورة هذه الأدوات تكمن في قدرتها على تضخيم الأنماط السلوكية، سواء في سموّ الأخلاق أو انحطاطها.
المسارات الخمسة للاختلال الرقمي: تشريح الظاهرة
قدّم المقال جرداً دقيقاً لأنماط المحتوى المسيء، مصنفاً إياها إلى خمس ركائز أساسية تتطلب وقفة حازمة من المستخدم الواعي.
الاستهداف العقدي والزندقة الرقمية:
حلل العامري ظاهرة “شواذ الفكر” الذين يستغلون الفضاء الرقمي لبث روح التشكيك والسخرية من المسلمات الدينية. وأحدث المقال مقاربة فقهية معاصرة حين أسقط حكم “القعود مع المستهزئين” على البقاء في صفحاتهم أو التفاعل مع خوارزمياتهم، معتبراً أن التفاعل الرقمي دعمٌ صريح لانتشار الباطل.
مأزق الخرافة والتدين المنحرف:
رصد المقال بكفاءة عالية كيفية تزييف الوعي العام عبر “بوابة العاطفة الدينية الجاهلة”؛ حيث تنشط مطابخ غلاة الرافضة ومخرفي التصوف لترويج أفكار تصادم صريح النقل وصحيح العقل، محذراً من أن هذه المحتويات تلوث صفاء العقيدة وتلبس الحق بالباطل في أخص الخصوصيات.
سيكولوجية “تطبيع الفواحش”:
تطرق الدكتور العامري إلى الجانب الأخلاقي الأكثر حساسية، وهو مكافأة المنصات للمحتويات الأكثر إثارة للغرائز، محذراً من أن انتشار المقاطع الساقطة يهدف إلى تحطيم الحواجز النفسية تجاه الرذيلة حتى تتقبلها الفطرة، ومشيراً إلى أن الامتناع عن دعم هذه المنصات مساهمة فعلية في حماية الفضيلة العامة.
خطاب الكراهية و”الاغتيال المعنوي”:
في نقد اجتماعي لاذع، تناول المقال “الذباب المستأجر” الذي يمارس تصفية الحسابات عبر الشائعات وتلفيق التهم للرموز والعلماء والدعاة. وأكد العامري أن الخلاف السياسي أو الحزبي لا يبرر استباحة الأعراض أو الكذب، معتبراً ذلك سقوطاً في وحل البغي والبهتان.
ديكتاتورية التفاهة والهزل المفرط:
حلل المقال ظاهرة “تسطيح الوعي” الناتجة عن الهروب الجماعي نحو المحتويات الهزلية. وبينما لم يحرم الترويح المباح عن النفس، إلا أنه انتقد تحوّل “الهزل” إلى مركز للاهتمام ومصدر للارتزاق؛ مما أدى إلى بلادة الحس وانحدار المروءة.
الرهان على الوعي لا القطيعة
يختتم الدكتور العامري أطروحته برؤية متوازنة؛ فهو لا يدعو إلى الانغلاق التام عن العصر، بل إلى “الرقابة الذاتية” واستشعار المسؤولية أمام سجلات الغيب. إن الحل في نظر العامري يكمن في “الإحسان الرقمي”؛ أي صناعة ودعم المحتوى الذي يبني الروح ويسمو بها، مؤكداً أن الرهان الحقيقي ليس على المنصات في حد ذاتها، بل على وعي المستخدم الذي يديرها.
وفي هذا الإطار، يرى الشيخ- محمد الشيخ-أن مقال الدكتور محمد بن موسى العامري قد عالج أهم قضية مركزية لدى المجتمعات والكيانات، ووضع النقاط على الحروف؛ حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى فضاء مركزي يعيد تشكيل الوعي الإنساني، وتتأرجح محتوياتها بين “الإحسان” المعرفي و”الإساءة” السلوكية، ما يضع المستخدم أمام مسؤولية أخلاقية وتقنية حتمية.
ويضيف الشيخ: “تُبرز مخاطر هذه المنصات في قدرة ادواتها على تضخيم (التفاهة) وتطبيع الرذيلة، فضلاً عن كونها ساحة للاغتيال المعنوي عبر الشائعات وخطاب الكراهية. وفي المقابل، تظل هذه الوسائل نافذة كبرى لتعزيز القيم، ونشر المعرفة، وبناء الجسور الثقافية إذا ما أُديرت بوعي ورشد”.
ويختم الشيخ بقوله: “إن الرهان الحقيقي لا يكمن في اعتزال هذه التقنيات، بل في تبني استراتيجية (الرقابة الذاتية) وانتقاء المحتوى، وتحويل التفاعل الرقمي من استهلاك عشوائي إلى فعل حضاري يبني الروح ويسمو بالأخلاق”.
إشادة وتحية
إننا إذ ننشر هذه القراءة التحليلية، نشيد بالدور التنويري والقيادي الذي يضطلع به الشيخ الدكتور محمد بن موسى العامري. لقد جاء مقاله بمثابة “وثيقة استرشادية” للأجيال الصاعدة، متميزاً بعمق الطرح، وجزالة اللفظ، وقوة الاستدلال. إن قدرة الدكتور العامري على تطويع النص الشرعي لفهم تعقيدات “الخوارزميات” و”الترندات” تعكس فكراً متوقداً وفهماً عميقاً لمقاصد الشريعة في حماية المجتمع. هذا المقال ليس مجرد كلمات، بل هو دعوة لثورة أخلاقية في عالم افتراضي يحاول اختطاف قيمنا الأصيلة.
Related News