Arab
ليس موضوعاً أن عدد السوريين المعتصمين يوم الجمعة الماضي في دمشق كانوا نحو 700، فقد كان في الوسع أن يكونوا أكثر، لو أن التجييش الذي سبق تجمّعهم الاحتجاجي كان أقلّ تشنيعاً، ولم يتماد في لغته التحريضية. غير أن هذا يحسُنُ أن يكون تفصيلاً، وإنْ له أهميّتُه بالطبع في قراءة اللحظة السورية الراهنة، فضلاً عن أن تعمّد متظاهرين آخرين، عملوا على أن يكونوا في الساحة نفسها، للتشويش على الاعتصام، بزعم إن المحتجين تحت عنوان "قانون وكرامة" مسنودون من فلول الأسد، وضد الدولة السورية، وغير هذه وتلك من ادّعاءاتٍ تشبيحيّةٍ مرفوضة. ليس الموضوع هنا ولا هناك، وإنما في أن عناوين الاعتصام وقضاياه لا يجهر بها فقط من تقاطروا إلى ساحة الشهيد يوسف العظمة غاضبين، يُطالبون السلطة بإصلاح نفسها، والمضيّ في مشروع يلبّي تطلعات العموم السوري في عيشٍ كريمٍ وعدالةٍ اجتماعيةٍ وحقوقٍ في فرص العمل، وإنما يتحدّث عنها قطاعٌ عريضٌ من الشعب المجروح، الذي أفزعنا بخصوصه برنامج الأغذية العالمي، الشهر الماضي (مارس/ آذار)، بأن غالبيته الساحقة لا تزال غير قادرة على تلبية احتياجاتها الغذائية الأساسية، وأن 6.4 ملايين شخص منه يحتاجون مساعدات غذائية يومية للبقاء على قيد الحياة، ونحو أربعة ملايين يعتمدون على الخبز المدعوم مصدراً أساسياً للغذاء.
كان مأمولاً أن تكون أجواء الاعتصام السلمي المشروع، بلافتاته الاحتجاجية ذات المضامين الملحّة، هادئة، فلا يُلاقيه بالحدّة والتربّص مناصرون للسلطة، يتوهّمون اصحاب الأصوات الإصلاحية والمعارضة خصوماً لهم وللدولة. وليس من تعالمٍ على أحد أن ينكتب هنا إن في وُسع اصحاب الاجتهاد المخالف أن يتجمّعوا، ويُعلنوا، في أي صيغةٍ تحت سقف القانون، ما يشاءون، على أن يغادروا فرضياتهم عن خيانة الآخرين وارتباطهم بأجنداتٍ خارجية، لم يجد أحد المشايخ حرجاً في قوله إنها صهيوأميركية.
الأنفع والأكثر وجوباً أن تدرك السلطة أن ثمّة ما هو مقلق، يدفع سوريين عديدين إلى مزاولة حق الغضب... الغلاء يتّسع، والفقر على حاله، وإذا صحّ أن 80% من السوريين تحت خط الفقر، بمعايير دولية، فهذا، مع غيره من أحوال، يفترضُ استنفاراً في أوراشٍ عمليةٍ وإجرائيةٍ وتنفيذية، تنشط في ابتكار كل الوسائل التي تُساعد في إنقاذ هؤلاء السوريين، فالذي تبدّى أن الاستعراضات الإعلامية، أو الدعائية المظهرية، وكذا المشروعات الآجلة التي لا معالم توضح تفاصيلها، غالباً، بانَ، في أزيد من عام، أنها لا تسعف في تخفيف معاناة كثيرين في جغرافيا سورية يتسع فيها البلاء والعوز والفقر ونقصان الخدمات.
ولمّا كانت القناعة بأن الأحمال على أكتاف السلطة الراهنة ثقيلةٌ وكبيرة، وموروثةٌ من عهدٍ ساقط، لم يكن يقيم اعتباراً لكرامة السوري وعيشه، فإن هذا مدعاة إلى تفهّم كل الصعوبات التي تحيط بالعمل الحكومي، وبالإكراهات الضاغطة أمام محدودية الإمكانات وضيق الخيارات ونقصان الموارد والعوائد، وسريان عقوباتٍ خارجيةٍ معلومة، فضلاً عن مناخ أمني في مناطق سورية غير قليلة قد لا يبدو مطمئناً تماماً. لمّا كانت القناعة هذه، وهي صحيحةٌ على غير محمل، إلا أنها لا تُزيح قناعةً يبدو أن ثمة إهمالاً في التذكير الواجب بها، وموجزُها أن أي سلطةٍ تتقدّم لقيادة أي مسؤولياتٍ ومهمّاتٍ يُفترض فيها أن تدرك تفاصيل الممكنات والوقائع أمامها، وأن تجترح اجتهاداتٍ وابتكاراتٍ خلاقة، مؤكّدٌ أنها تحتاج أدمغة كفاءاتٍ قديرةٍ ومبدعة، ومؤهلة لتقديم مشوراتها وصياغة خرائط ومسارات عملٍ إنقاذية، ليست من نوع رفع أجور الكهرباء ورفع أسعار هذه السلع وتلك، ولا من نوع بيع مستشفياتٍ حكوميةٍ إلى القطاع الخاص، فهذه صيغٌ، كما مثيلاتٌ لها، تزيد من التأزّم الاجتماعي، وترفع وتيرة الحنق والغضب.
لنقل إن اعتصام ساحة يوسف العظمة كان تمريناً سوريّاً مُضافاً إلى سابقه في باب توما، قبل أسابيع، احتجاجاً على قرار ما سمّي تنظيم بيع المشروبات الكحولية، ومن المتوقّع أن تشهد ساحاتٌ وميادينُ أخرى في المحافظات السورية مظاهراتٍ أخرى، ساخطةٍ على الغلاء وعلى ما يراه ناشطون تضييقاً يحدُث على حرّياتٍ عامة، وعلى محسوبياتٍ ومظاهر فسادٍ بات الصوت في التأشير إليها عالياً، ما سيعني أن تمارين السوريين على استعادة حضورهم في المجال العام في بلدهم مرشّحة لتفتح آفاقاً لتنشيط المجتمع الأهلي. وذلك كله، بالضرورة، لصالح سورية، ولإنقاذ الدولة بقيادتها الحالية من فشلٍ لا أحد يريده.

Related News
إنتاج النرويج من النفط والغاز يتجاوز التوقعات في مارس
aawsat
6 minutes ago
دراسة: ارتباط قوي بين أمراض الأذن الشائعة وخطر الخرف
aawsat
15 minutes ago
مقتل 5 في غارات إسرائيلية متفرقة على قطاع غزة
aawsat
16 minutes ago