سورية - سقوط الأبد... النص واللوحة معاً بالإنكليزية
Arab
1 hour ago
share
تعيش سورية مرحلة قلقة لا تشبه النهايات الواضحة بقدر ما تشبه البدايات المرتبكة؛ يُعيد فيها السوريون طرح أسئلة الوعي الأولى: من نحن بعد هذا كله؟ وماذا يبقى من الذاكرة حين يتهاوى ما كان يُظنّ أنه أبد؟ كان سقوط النظام لحظة فارقة في تاريخ الناس وثقافتهم، لحظة انكشفت فيها السرديات لتدخل في صراع مفتوح مع المجهول. انشغل العالم براهنية ما بعد، لكن هذا الانشغال لم يلبث أن تلطّخ بوقائع دامية، من مجازر في الساحل إلى أخرى في السويداء، وانكشافات حادّة، في الواقع والوعي. حيث بدا أن التاريخ لا يطوي صفحاته بسهولة، إنما يكتب نفسه من جديد، وربما بقسوة أشد. في هذا السياق، يأتي العدد الخاص من مجلة "أراب ليت كوارترلي"، مترجماً إلى الإنكليزية، وصدر أخيراً بإشراف مارشا لينكس كويلي وليوني بونتيغر، تحت عنوان "سوريا: سقوط الأبد"، ربيع 2026، بالتعاون مع المحررين الزائرين غادة الأطرش وفادي عزّام، ليواكب الحدث ويشتبك معه. يقدّم محاولة لرصد ما تقوله بعض الكتابة والفن عبر استعاداتٍ لنصوصٍ ولوحات قبل السقوط وبعده. ولا يدّعي العدد أن هذا يمثل كل ما أنتج في سورية، إنما بعض من شذرات تموضعها بعضها مع بعض يساعد على قراءة الوعي الثقافي السوري، ولا يتمثله بأجمعه.  سيجد المهتم والقارئ كيف يتصارع المعنى الظاهر مع الخفي، والذاكرة مع محاولات التزوير، والأصوات الخافتة وما يقوله الهامش، وما يخفيه السرد الرسمي، فضمير أي شعبٍ لا يصوغه الطارئون على المشهد، إنما الذين يكتبون من الداخل، من الشقوق، من التجربة التي لا تُرى كاملة. حينها تصبح الكتابة فعلاً مضادّاً للتفكيك، أو على الأقل إعادة تعريف كل قطعة من الأحجية على شكل نص أو لوحة كما عيشت وتُعاش، متعددة، متصدّعة، ومفتوحة على احتمالاتٍ لا تزال قيد التشكّل. يفرض الجزء الأخير تساؤلاً هامساً: من يكتب الفصل الأخير من حكاية مائة عام من الكيان السوري؟ فمن أسقط الأبد هل يمكن أن يحكمه الأزل. في فصل مقتطف من رواية "غدي الأزرق" لريما بالي، نستكشف اللحظة السورية من باب المساومة على الأحياء بوساطة الجلادين القدامى التشرذم يفتتح العدد بمقال للروائي ممدوح عزام، "حرية الثقافة وثقافة الحرية"، يحدّد فيه رؤية نقدية لمسار العمل الثقافي في سورية، معتبراً أن الثقافة لم تكن حرّة يوماً منذ عهد الاستقلال. يفرّق عزّام بين حرّية الثقافة التي نجحت السلطة في تقييدها عبر مؤسّسات كوزارة الثقافة واتحاد الكتاب العرب وثقافة الحرية التي ولدت من رحم الإبداع الأدبي والفني، وظلت تحوم في سماء البلاد بعيداً عن أدراج الحاكم. يبدو النص صرخة تحذيرية من زمن فارغ قد يتجاهل فيه الجميع استحقاقات الثقافة في مرحلة ما بعد التغيير وقلق محق على المصير الراهن.   يكتب عزّام: تتراجع الثقافة اليوم إلى منطقة الضباب، ولا أحد يهتم بما ستفعله السلطة الجديدة بخصوص الصحافة وحرية التعبير. السوريون والمثقفون حائرون في شأن المصير كله، حيث لم يتضح بعد موقف السلطة الحالية التي لم تقدم برنامجها العملي بخصوص ثقافة الحرية التي تبحث عن نفسها وسط الخراب. ينتقل منذر مصري في نصه "سورية، الموز والبسطات والعدالة؟" إلى شوارع اللاذقية في 2025، ليرصد ملامح سقوط الأبد. يربط بين ظواهر يومية بسيطة، مثل سطوع اللون الأصفر للموز وانهيار منظومة الاحتكار والمنع التي دامت عقوداً. يخشى النص الاحتفاء بالوفرة من طغيان اللون من جديد، ويحرث مساءلة عميقة لمعنى الحرّية التي تبدأ من رصيف الشارع وتطالب بالوصول إلى قاعات المحاكم. تظلّ فرحة التحرير ناقصة ما لم تكتمل بجبر خواطر الضحايا. يقول مصري: كانت أول مظاهر سقوط النظام، قاطبة، في شوارع اللاذقية وساحاتها، سطوع وسيطرة اللون الأصفر، وذلك نتيجة لتكوّم أقراط الموز في الدكاكين والبسطات... فلا شيء كالعدالة الكاملة يمكن له أن يساعد على تضميد الجراح وجبر القلوب وتطييب الخواطر. وفي فصل مقتطف من رواية "غدي الأزرق" لريما بالي، نستكشف اللحظة السورية من باب المساومة على الأحياء بوساطة الجلادين القدامى. تدور الحكاية حول أمل، الفتاة الشغوفة بالقراءة والثورة، التي يعتقلها النظام فجأة، وحول ندى التي تجد نفسها مضطرّة إلى الاتصال بزوجها السابق نبيل، الشبّيح الذي ينتمي لأجهزة الدولة، لتطلب منه المساعدة. المفارقة القاتلة أن نبيل يوافق بشرط أن تسلم ندى جسدها له ثمناً لجسد أمل. قبل أن تتخذ القرار، تصل إليها الصدمة: أمل ماتت بعد ساعتين من اعتقالها، قلبها الضعيف لم يحتمل الفزع. فتصبح مساومة نبيل على جثة لا تعرف أنها ميتة ذروة الإجرام اليومي في سورية الأسد. تبدو استعادة قصة إبراهيم صموئيل "الناس الناس" وكأنها كُتبت في هذا الوقت السوري. هي قصة من أدقّ المختبرات السردية التي شرحت سيكولوجيا المجتمع السوري تحت حكم الاستبداد. يكشف النص آلية عمل منتحلي صفة القيادة الذي يسوق حرفيا حافلة الوطن برعونة، وحين حاول أحد الركاب تنبيهه، يتصدّى له جمهور الحافلة وينزلونه منها. الشبّيح الكامن أو المواطن الذي تلبّسته السلطة حتى صار يدافع عنها أكثر مما تدافع هي عن نفسها. " نحن عبيد مَراقه.. احترم حالك". نرى على الأيادي التي تزاحمت لتدفع الرجل المعترض إلى الخارج. المجتمع الذي يريد أن يركب الحافلة من دون العبء كيف تُساق مع تمجيد لقائدها غير عابئين أين تسير بهم. ... قطيع يلحق القصاب إلى مذبحه هو شريكٌ في الجريمة. طرد الشخص الذي كان يطالب بسلامة الجميع عملية تطهير يقوم بها القطيع ليرتاح من وخز الضمير. بين حقول القمح في كرصور وغبار القامشلي، ينسج مروان علي في نصه ذاكرةً بصرية ورعوية مدهشة لبلاد كاوا الحداد، محولاً الحنين إلى مادة أدبية مغموسة بالبساطة الآسرة. يقول: كثيراً ركض أبي خلف الطير الحر، حتى نبت له ريش. تعلّمتُ الشعر من الحياة، من السير خلف أبي في هضاب قوچي، من الركض خلف أسراب الزرازير. ثمة بقعةٌ داكنةٌ مثل نُدبةٍ في جبهتي من أثر ضربة قديمة.. كي أتذكّرها، برقتها وحنانها وقسوتها، كلما وقفت أمام المرآة. ويتحوّل السؤال الوجودي في قصائد إياد شاهين إلى مواجهة مباشرة مع معنى الهزيمة والانتظار: كل شيء خذلك: موقف الباص، سيور حذائك، ولاعة التبغ، حجر النرد، مفتاح بابك... والسم الذي تناولته سراً ما قتلك. السرد البصري: لغة اللون تستكمل ما بدأه الحبر لا يحضر الفن التشكيلي في عدد مجلة أراب ليت كوارترلي "سوريا: سقوط الأبد"، بوصفه زينة أو فواصل بصرية بين النصوص، يُقرأ بوصفه سرداً كامل الأهلية، لغة موازية تستكمل المعنى حين تعجز الكلمات عن الإحاطة بحجم الزلزال. المساهمات البصرية لكل من يوسف عبدلكي، تمام عزام، إدوارد شهدا، نذير نبعة، لؤي كيالي، وصفاء الست، وغيرهم، تشكل نصّاً بصرياً يقرأ السقوط بأدوات مغايرة. الفن هنا هو الشاهد الذي لا يكذب؛ فلوحات تمام عزّام التي تعيد تركيب الركام السوري، أو خطوط يوسف عبدلكي القاسية التي تشرح الجسد المقموع، ليست مجرّد تعبير عن مأساة، بل هي فعل استرداد للهوية السورية من براثن التشويه. اللون هنا هو الصرخة التي بقيت حبيسة الحناجر عقوداً، والمنحوتات هي الأجساد التي قاومت التفتيت. هذا السرد البصري هو العمود الفقري الذي يربط الشتات بالداخل، والذاكرة بالحاضر، ليؤكد أن العين السورية رأت ما لم يجرؤ اللسان على قوله، اللوحة كانت تخوض معركة السرديات جنباً إلى جنب مع القول، محولةً الغبار والدم والركام إلى جمالية مقاومة ترفض السقوط في فخ العدمية.  الفن التشكيلي السوري هنا هو سردية السيادة والكرامة، إنه يستكمل اللغة حيث تنتهي الحروف، ليرسم ملامح سورية التي قاربت على الموت، سورية التي يمكن أن تبقى دفينة تحت الأنقاض حيث يعلو الأنين والصمت كشواهد نافرة عبر اللون والضوء والكتلة. برز نص نبيل سليمان كوثيقة تاريخية عن آسّ الانكسار. يروي تعرّضه للضرب من مجهولين في اللاذقية عام 2001، محولاً تلك الواقعة الشخصية إلى رمز لاستباحة الجسد السوري الغبار تذهب سمر يزبك في "الليليون الصامتون في دمشق" إلى ما هو أبعد من التوثيق، لتكتب عن الطفولة بوصفها ضحية غير مرئية للحرب، يتحوّل أطفال الشوارع إلى كائنات ليلية، تحكمها ثنائية قاسية: الفراغ والغضب. تشتبك يزبك مع سؤال أخلاقي جوهري: ما معنى أن نكتب عن الألم من دون القدرة على تغييره؟ لتكشف أن الكتابة نفسها قد تكون من أشكال التواطؤ أو العجز، بقدر ما هي محاولة مقاومة للنسيان. ترسم الكاتبة صورة دمشق من الهامش، كفضاء ينتج كائناته الهشّة، حيث يتبدل هؤلاء الأطفال بين نهار صاخب وليل صامت، في تحوّل يكشف عن تصدّع أعمق في بنية المجتمع نفسه. تقول يزبك: ربما هذا ما نفعله جميعاً، نحن الذين نكتب عن آلام الآخرين من دون القدرة على إنقاذهم. يفتح الروائي سومر شحادة سؤالاً عن العلاقة المريضة بين الكاتب والموت، وبين الفن والخوف، وبين الرقابة والصوت الخافت. يمرّ على أعماله الروائية الأربع، "حقول الذرة"، "الهجران"، "منازل الأمس"، "الآن بدأت حياتي"، ليرسم خريطة تحولاته: من الكتابة المباشرة عن النظام، إلى الكتابة عن البشر الذين عاشوا تحت حكمه، إلى محاولة التحرّر من التنميط والتعميم الذي يورط الكاتب بأدوات الديكتاتورية. وينتهي شحادة إلى قلقه الأكبر: بعد سقوط الأسد، كيف ينتزع الكاتب من نفسه خوفاً بُني على امتداد سنوات؟ وكيف يكتب من دون أن تكون الكتابة مجرّد صرخة إلى العالم كي يرفع يد القاتل عنّا؟ خصوصاً أنه يخشى أن يكون ابن حافظ الأسد مجرد صفحة انتُزعت، كي تشفّ عن صفحة سوداء أخرى. جوهر النص يكمن في سؤاله المؤجل: ما الذي قتل قصة الحبّ؟ وفي قصة "تراب" لنور دكرلي، تحضر الذاكرة بكل ثقلها الفجائعي. "لا يُصدّق الغرباء حين أحدثهم أنّ أمي أجهضت ثلاث مرات، وأنّها كانت تدفن الجنين في الحوض الترابي لحديقة بيتنا، واعتادت بعد ذلك طيلة حياتها أن تشرب قهوتها قبالة الحوض، متحدثةً لمن يشاركها الجلسة، أو لنفسها، أو للزرع: الياسمينة كبرانة عم تتعربش على حيط الجيران، الغاردينيا عم تلمع بتحسها عشقانة، يا قلبي الريحان دبلان، كأنّه مريض. لا يجرحُ عدم تصديق الغرباء للحكاية، إنما إنكار الشهود، أنّ في يوم التهجير، اقتلعت أمي الزرع من جذوره بعنفٍ لم نفهمه، ثم ضمّته إلى صدرها، ومن دون أن تلقي نظرة أخيرة إلى البيت، أسرعت هائمةً.. بينما لحقنا بها بالحقائب والأثاث والتراب". البقايا يبرز نص نبيل سليمان كوثيقة تاريخية عن آسّ الانكسار. يروي تعرّضه للضرب من مجهولين في اللاذقية عام 2001، محولاً تلك الواقعة الشخصية إلى رمز لاستباحة الجسد السوري. يكتب: انهالا عليّ بالأكف والقبضات صفعاً ولكماً، ورأسي يتطوّح بينهما كما يشاءان، وأنا أتفرّج ببلاهة. لم أتألم ولم أصرخ.. كنت أدرك في تلك اللحظات أن شيئاً ما ينكسر. هذا الانكسار الذي بدأ بضربة كف هو الذي أدّى إلى زلزال 2011 وسقوط 2024. تكسّر زينة أرحيم جدار التوثيق التقليدي لتغوص في عمق النسوية التقاطعية وسط الحرب. لا تتحدّث عن براميل الموت فقط، بل عن حصارات ثلاثة: القصف، الرقابة الذاتية، والعقلية الذكورية التي تفضّل بقاء النساء تحت الأنقاض على إنقاذهن بثيابٍ غير محتشمة. ترصد أرحيم جندرة الموت باقتدار: الموت ليس أعمى جندرياً... لقد طرد رجل جريح المسعفين، لأن قريباته تحت الأنقاض غير مغطّيات بشكل صحيح. هنا يتقاطع عنف النظام مع عنف المجتمع. وتشريحها للرقابة المركبة صادم: كلمات المرأة خطيئة قد تحرق مراكب العودة. توسّلت إليّ أمي وخالاتي: أرجوكِ لا تكتبي... لا تحرقي مراكب عودتنا. لكن أرحيم تصرّ: الكتابة ليست ترفاً، بل فعل بقاء تاريخي. تكتب من أجل الفتاة التي ستبحث في "غوغل" عن سورية، كي تجد أصوات النساء، لا فقط روايات الرجال العسكريين. ويكتمل السرد بنص الشاعر فرج بيرقدار، الذي كُتب في عتمة فرع فلسطين عام 1987، ليربط بين قهر الزنازين القديم وتطلعات الحرية اليوم. يستعيد صوت الابن البارّ بقضيته ووالدته في آن. القصيدة تمثل خطاباً وجدانياً يتجاوز جدران الزنزانة المنفردة ليخاطب الأم كرمز للأرض والاستمرارية. يصوغ بيرقدار معادلة كرامة المعتقل في مواجهة السجّان، حيث يغدو السجن والموت أهون من انحناء الهامات. الشاعر هنا لا يشتكي ظلمه، بل يواسي أمّه، مؤكّداً أن النسر يظل نسراً حتى في أسره. يبرع جولان حاجي في تطويع لغة جزلة ليصبّها في قالب حداثي يقتنص اللحظات الهاربة؛ الضحكات القصار، الغمزات المحيرة، والكلمات التي تشبه الطعنات ويؤثث عبد الله مكسور السرد الروائي بإمكانات للتخيّل والمحاكمة لم تكن ممكنة قبل السقوط. صار المتخيّل متاحاً بلقاء بين الرئيس الهارب والناجي من المحكمة الواقعية، لكنه لن ينجو من محاكمة السرد له. هي أول مقابلة متخيّلة مع الرئيس الهارب المتهم بجرائم ضد الإنسانية، فيما يبدو وكأنه أدب المواجهة الكبرى عبر نصٍّ يعرف كيف يلتقط الرجفة في يد السلطة حين تسقط، وكيف يحوّل الحوار إلى محاكمة يتبادل فيها القاتل والضحية الأدوار. يقدّم جورج كدر جردة حساب قاسية لتاريخ السلطة في كل من سورية والعراق، مستلهماً رمزية إنكيدو الأسطورية ليفسّر شهوة التسلط التي حكمت المنطقة عقوداً. ينطلق النص من ذاكرة شخصية ليفكّك بنية الأنظمة التي لم تطعم شعوبها إلا الدماء، معتبراً ما جرى في ديسمبر/ كانون الأول 2024 ليس مجرّد سقوط نظام، بل هو لحظة اصطدام بين توحش قديم متمثل في إرث الأسد وتوحش جديد متمثل في القوى التي استولت على العاصمة. يحلّل الكاتب ببراعة كيف استنسخت القوى الجديدة أدوات النظام السابق في القمع والإبادة، متّخذاً من مجازر الساحل دليلاً على أن التوحش لا دين له ولا طائفة، بل هو غريزة استبدادية تتخفّى خلف شعارات التمكين وتحرير العاصمة.  "أدركتُ لاحقاً أنها في الأصل شهوة تقبع في الحيز الحيواني الإنكيدوني من كيان من سمّي بالإنسان العاقل. سيتاح للعالم لأول مرة أن يشهد توحشاً لا يقل شهوة للقتل عن توحش الأسد.. بفارق أن المجرم هذه المرّة وثق جريمته ونشرها على الملأ. هل ستُدَمشِقُ القادمين على عادتها، وترطب يباس ابن تيمية وسلفيته التكفيرية بحضور ابن عربي وصوفية أهل الشام؟".  يبرع جولان حاجي في تطويع لغة جزلة ليصبّها في قالب حداثي يقتنص اللحظات الهاربة؛ الضحكات القصار، الغمزات المحيرة، والكلمات التي تشبه الطعنات. إنه نص عن الانتظار الذي تحول إلى ركض خلف سراب، وعن الموت الذي يقود السكارى إلى سريره في نهاية المطاف. استرشدتْ بي فدللتُها إلى خطأ الجهات؟ كم، بين السُّهاة، ضيّعتُ المخارج وأطلْتُ الطريق. ينتهي النص بصورة مهيبة تجمع بين اللذة والكآبة والموت، حيث يأتي القساة ليلتهموا ما تبقى، في نبوءة شعرية قاتمة عن مصير العالم والذات: مَن سيقودكِ كالسكارى إلى سريرِ الموت؟ والقُساة آتون ليلتهموا ما تبقّى، قاتلين باللذّاتِ كآبةَ العالم. معركة السرديات الأخيرة تعود نجاة عبد الصمد في "منظمة الطلائع" إلى "مصنع الأبد" الأول، حيث يتم حقن الطفولة بالأناشيد الأيديولوجية القسرية. تكشف كيف تحوّل نظام "البعث" إلى كابوسٍ يسكن الأنفاس، لكنها ببراعة تجعل من "الورود الصناعية" التي صنعتها أختها ريادةً إنسانية موازية، ومحاولةً مبكرة لابتكار جمالٍ خاص ينجو من "دائرة النكران" الأبوية والسلطوية. أما رشا عمران في "أريد أن أبتسم"، فتطلق "مانيفستو الناجي"؛ صرخةً وجوديةً تطالب بالحق في الفرح فعل مقاومة أخير. الابتسامة عندها ليست غفلة، بل هي محاولة لانتزاع الجسد من "شجرة الحزن" وتعليق الضحكات على حبال الغسيل، لتشتبك مع عابري السبيل والمساجين، في تحدٍ صارخ لمنطق الرماد. وفي "عيد الحب"، تعقد عبير داغر مقارنةً فلسفية بين "خفر الحب" في المنفى (كندا) و"سعار الأسئلة" في الصدر السوري. تطرح بجرأة أن الحب السوري لا ينفصل عن سؤال الحرية، وأن العودة هي "كُفرٌ مطلق بالأمكنة" حين تكون الروح قد تشكلت في تجارب مغايرة، مؤكّدة أن القلب هو الذي يضخ الدماء في صدر الحياة لتكون أقوى من "منطق الضرورات البارد". وتكتمل هذه البانوراما مع ليلى هاشمي في "سقف المدينة"، التي تقدّم استعارةً مدهشة عن الانهيار؛ فالسقوف (المنطق، التوقعات، الأمان) كلها ثقبتها القذائف. في "عتمة المدينة"، يقتات السوريون على "مضغ الذكريات" كعلكةٍ لسد تلك الثقوب، في نصٍ يصور الحاضر ككتلةٍ بلا طعم، ومضغه هو الاختبار الأصعب للبقاء بعد سقوط "السقف" الذي كان يُظن أنه أزلي.  تتحوّل هذه النصوص داخل العدد إلى "أعمدة هيكلية" في عمارة الذاكرة السورية الجديدة، حيث يسقط "الأبد" الزائف لتولد مكانه "اللحظة الإنسانية" بكل ارتباكها وجمالها الجريح. يعيد فواز حداد في روايته "جمهورية الظلام" تركيب ثيمة روميو وجولييت داخل السياق السوري، حيث يتحوّل الحب إلى فعل تحدٍّ مستحيل في مواجهة العنف الطائفي. ... لقاء عابر بين ضابط علوي وفتاة سنّية، لحظة إنقاذ تتحوّل سريعاً إلى حب عاصف، محكوم منذ البداية بمنطق الحرب والانقسام. بينما حالياً، قد يُهدر دمها، أو يُهدر دمه، أو تُهدر دماؤهما.  يفكّك النص كيف أعادت الحرب تشكيل العلاقات الاجتماعية، حيث لم يعد الزواج مسألة عائلية، بل قضية أمنية وطائفية. الحبّ هنا لا يُمنع فقط، بل يُعاد تعريفه كخيانة مزدوجة: للنظام وللثورة معاً. الزواج كان خيانة للثورة، مثلما كان خيانة للنظام... في النهاية، لا بد أن يطرح السؤال الجدّي بعد تفكّك النظام، هل ما زال هذا الحب مستحيلاً بل أصبح أكثر استحالة؟ ترفع مها حسن دعوى: الموتى يستحقون الحرية أيضاً، الكتابة بوصفها طريقاً لاسترداد الموتى من خلال أدب الاسترداد. يستحضر النص حضور الأم الراحلة في منفى الكاتبة بباريس. "قالت أمي وهي تزيل التراب عن قبرها: شكراً لأنك أتيتِ. نحن الموتى الذين هربنا إلى الموت خوفاً من آلام القصف، لم نمت موتاً كاملاً، لهذا نحتاج إلى واسطة الأحياء ليعيدوننا إلى بيوتنا. الكتابة فعل حرّية وتحرير يا ابنتي!".  يقدّم خلف علي الخلف نصاً صادماً يضع الأدب السوري أمام مساءلة أخلاقية مباشرة عبر تفكيك الدور الذي لعبه بعض الكتّاب في تبنّي سردية السلطة، جرى تجميل القمع وتحويل الجلاد إلى بطل، والضحية إلى متهم. لم يكتفوا بالصمت، بل نشطوا في تبنّي رواية النظام، ومساهمين في تشويه ضحاياه. حوّلوا المضطهدين إلى متطرّفين، والمعارض إلى عميل. لا مكان في ذاكرة سورية الجديدة لأدب يبرّر الجريمة. يبدو المقال وكأنه طازج بعد المذابح في عهد السلطة الجديدة، ويطرح الأسئلة نفسها على الأدباء الذين كانوا في جانب الثورة، وبعضهم اليوم يعيد إنتاج ما فعله مثقفو النظام السابق. من الإنكار والمشاركة في طمس دم الضحايا الجدد.  وتكتب السينمائية والناشطة وئام بدر خان، في نصها الموجع "وما نجوتَ إذ نجوتْ"، ما يكسر حدّة الاحتفالات بسقوط الطغيان لتسلط الضوء على جثث المخيمات الناجية إلا من القهر. النص جردة حساب مع الذاكرة، حيث تنتقل الكاتبة عبر لقطات زمنية ومكانية بين عامي 2012 و2025، لترسم خريطة للوجع السوري الذي لم ينتهِ بفرار الديكتاتور. تكشف الكاتبة عن ازدواجية المعاناة؛ فبينما يحتفل العالم بالخلاص، يظل سكّان المخيمات عالقين بين خرابين: خراب المدن التي دمرها القصف وخراب الخيام التي يفككها الناس ليعودوا إلى ركام بيوتهم.  يطرح النصّ سؤالاً أخلاقياً حادّاً: من ينصف الأرواح المعلقة فوق جثث تتحرّك بكذبة العودة؟ ومن يرمم الندبات التي استقرّت في الأبواب والشبابيك والأنفاس؟ نعيش غصّة الناجي من الرمضاء إلى النار، في كل شيء ندبة، في كل نفس ندبة، في كل باب وشباك ندبة. وبعد أشهر من الخلاص من الأسد، لا أزال أكتب لكم من المخيم وسط المنسيين المخذولين الحالمين ببيوت. لا تزال قدماي ملتصقتان فوق سيراميك الحمام في دماء تقاوم التخثر للحامل المبقور بطنها.. لا زال صوتها يعاتبني إذا غفوْتُ وتركتُ حكايتهم للنسيان. تكشف الكاتبة عن طبقات القمع التي واجهتها بوصفها امرأة، من اتهامها بالعلوية أو المسيحية لعدم حجابها، وصولاً إلى إجبارها على ارتداء الحجاب لعشر سنوات. أضطر إلى لبس الحجاب بعدها مكرهة قرابة السنوات العشر. أرتدي في الكراج حجاباً أخلعه في الكراج نفسه عند الخروج.  النصّ وثيقة إدانة لكل القوى التي ساهمت في تحويل السوري إلى جثة تتحرّك، وهو يعزّز فكرة أن العدالة لا تتحقّق فقط برحيل الطاغية، بل بإنصاف هذه الأرواح المندوبة وتطهير الذاكرة من دماء ترفض التخثر وباسمها ترتكب جرائم جديدة بعد التحرير. مختتم تظهر في نهاية عدد مجلة أراب ليت كوارترلي "سوريا: سقوط الأبد"، صورة سيدة طاعنة تدعى ليندا عزّام محنية الظهر قتلت بخطأ وطني، يسمى مجازاً حادثاً فردياً. حرق وسرق بيتها وقريتها وشرد ما يزيد عن 170 ألفا وما زالوا حتى صدور هذا العدد لا يستطيعون العودة إلى ما تبقى من ديارهم. ويمكن أن نختم من مقطع للمحرّر الضيف ونصه "قلب محترق": سلامٌ على من رحلوا بلا قبور: سلاماً على من لا يذكرهم أحد، سلاماً على من ماتوا وهم يهتفون، سلاماً على الغائبين والمغيَّبين ومن لا نعرف أين دفنوا، سلاماً على السيدة التي فتح باب السجن ولم تجد ابنها، فأخذت حبل المشنقة منه كتذكار، سلاماً على رفاقنا الذين انتظرونا طويلاً وقضوا قبل أن نصل. دمشق... مذبحة تلو مذبحة، تتنشف في العراء بلا عزاء، ويدٌ قاسيةٌ تصنع من الجثث مسبحة. وفي السوق، تجارة المسابح رائجة، والجموع الهائجة تقتات على ما تبقى في المشرحة. المشاركون في العدد: الكتّاب: إبراهيم صموئيل، أكرم قطريب، أسامة إسبر، إياد شاهين، باسل جبيلي، بسمة شيخو، جمال داوود، جورج كدر، جولان حاجي، خلف علي الخلف، ديمة ونوس، رافي وهبي، رشا عمران، ريما بالي، رياض الصالح الحسين، زينة ارحيم، سائر ودود، سمر يزبك، سلوى زكزك، سومر شحادة، عبير داغر إسبر، عبد الله مكسور، عمر عبيد، فادي عزام، فرج بيرقدار، فواز حداد، فراس سليمان، ليلى هاشمي، مروان علي، ممدوح عزام، منذر مصري، محمد الماغوط، مها حسن، نبيل سليمان، نجاة عبد الصمد، نسرين أكرم خوري، وئام بدرخان، وفائي ليلى. التشكيليون: إدوارد شهدا، تمام عزام، حمد الحناوي، رندا مداح، سلافة حجازي، صفاء الست، عبد الرزاق شبالوط، عبد الكريم مجدل بيك، عتاب حريب، فاتح المدرس، كفورك مراد، لؤي كيالي، ماريا زريف، نادية البقاعي، ناصر حسين، نجاح البقاعي، نسرين الحسين، نذير نبعة، ياسر الغربي، ياسر صافي، يوسف عبدلكي. المترجمون: غادة الأطرش، جوناثان إلبوستي، ميريام السعدي، ميساء طنجور، أليس هولتوم، آلاء القيسي، ابتهال رضا محمود، سلوى باتشي، أنام ظفر، أدريان ليك، إم لينكس كويلي. المحرّران الزائران: غادة الأطرش، فادي عزّام  مديرة التحرير: ليوني بوتيغر  محرّرون مساهمون: علاء القيسي، أليسون أرميجو، ابتهال رضا محمود.  المحرّرة المؤسّسة: مارشا لينكس كويلي.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows