Arab
تسكنني سورية بطريقة لا براء منها، فكل حدث مُلهم، عالمي أو شديد الخصوصية يحيلني إلينا، نحن أبناؤها، يعيدوني للسؤال من أوله، كيف سنحوز مكاناً ينجينا في كون يهدده الغرق كل ثانية. منذ أيام أُعلن في لاس فيغاس، على هامش سينيماكون، أكبر ملتقى سنوي لصنّاع السينما في العالم، حيث تكشف الاستوديوهات الكبرى عن استراتيجياتها القادمة، أن شركة وارنر براذرز أطلقت شركة جديدة باسم Clockwork، مخصّصة لإنتاج وتوزيع سينما الأفلام المستقلة. اللافت في الإعلان ليس إنشاء ذراع جديدة للشركة العملاقة، بل الالتزام بعرض الأفلام في صالات السينما، خارج عروض المنصّات.
نحبّ لو كان سبب القرار آتياً من انقلاب أيديولوجي لشركة لم تقِس قراراتها يوماً بغير الأرقام، لكن الإعلان يشي بتحوّل أعمق: اعتراف متأخر بأن نموذج الاحتكار القائم على الأفلام التجارية الضخمة والامتيازات محدودة الخيارات للمخرجين لم يعد كافياً للسيطرة على السوق السينمائي بأكمله، إذ خلال سنوات هيمنة أفلام الأبطال الخارقين، توهّمت هوليوود أن الجمهور لا يريد سوى الفرجة السهلة، الخالية من تحديات فكرية وأخلاقية وثقافية أيضاً، قبل أن تكتشف أن شريحة واسعة تبحث عن سينما أكثر جرأة ووضوحاً تجاه أسئلة المعنى. ... هذه المفارقة التي تعيها هوليوود متأخرة ربما، وعتها التجربة السورية المحدودة مبكراً.
حاولت دمشق، في عام 1963، بناء نموذج مختلف وضروري عن سينما السوق. وعت أن الإبداع بحاجة إلى دعم. الثقافة قد تلتقي، لمرات محدودة، مع متطلبات السوق، لكنها تجارب نادرة. وعت مؤسّسة السينما دورها، فمنحت تمويلاتها لمخرجين يختلفون معها، ومولت سينما جادة غير بروباغاندية، خلافية، ذاتية، ومتطرفة في محليتها وانشغالاتها، لا تخضع لمنطق السوق ولا تساير الذائقة الشعبوية أو السلطوية. كانت الفكرة متقدمة في سياقها، ونتج عنها بالفعل أفلام ومخرجون تركوا أثراً حقيقياً في السينما العربية، التي كانت توثّق، بالتوازي، هويتها الوطنية والقومية.
لكن المشروع حمل تناقضه في بنيته. محاولة تحرير السينما من السوق انتهت، ولو بعد وقت قصير، بإخضاعها للسلطة. مع تمدد جهاز الرقابة وتعقّد البيروقراطية، تقلّص هامش الحرّية، وتحولت المؤسسة تدريجياً من حاضنة للرؤى إلى جهاز يمنح الإبداع بشروط غير فنية. ككل فكرة كبرى، جاء الترهل والصدأ والفساد لينزع عنها أهميتها، ويحوّل المخرجين من مبدعين برؤية حرة إلى موظفين ينتظرون رواتبهم والفيلم القادم كل عشر سنوات، إن أتى.
يثبت تاريخ السينما أن الإبداع لم يكن في يوم من الأيام ثمرة ظروف مثالية، بل كان غالباً نتيجة صراع مباشر مع سلطات سياسية أو اقتصادية سعت إلى ضبطه أو احتوائه. في أزمنة القمع والرقابة وغياب التمويل، واصل صانعو الأفلام العمل بوسائل بديلة، لأن الحاجة إلى التعبير سبقت دائماً وجود أي بنية داعمة.
في أوروبا الشرقية، كما في التجربتين الإيرانية والرومانية، لم تنتظر السينما رفع القيود لتبدأ، بل طوّرت لغاتها الخاصة للالتفاف على المنع. على نحو مشابه، فعلت السينما العربية ذلك في أكثر من سياق: من السينما الفلسطينية التي تشكّلت تحت الاحتلال وقيود الإنتاج، إلى السينما التونسية التي واجهت الرقابة السياسية قبل 2011، مروراً بأفلام عربية مستقلة صُنعت خارج مؤسسات الدولة في مصر ولبنان والجزائر. في كل هذه الحالات، أثبتت التجربة أن حجب الدعم لا يعني نهاية الفن، بل تحوّله وتغيّر مساراته وأشكاله بحثاً عن الاستمرار.
الخيط الذي يربط هوليوود 2026 بدمشق 1963 ليس المؤسسات، بل المبدع. ذلك الذي يصنع فيلمه لأنه حر في أن يفعل، ولأن الإبداع، كما دائماً، لا يستأذن أحداً.

Related News
ترمب: استعادة اليورانيوم الإيراني ستكون عملية طويلة وصعبة
aawsat
10 minutes ago