Arab
كثيراً ما يسألونني، كيف أستطيع إنجاز هذا الكم من العمل بجودة وسرعة؟ كيف أحافظ على شبكتي المهنية المُمتدّة حيوية ونشطة، بينما أظلُّ قريباً من أعزّ الناس إليَّ، حاضراً بقلبي ووقتي في تلك المساحات الصغيرة جداً كالمنزل والمزرعة والمقهى، وهي الأماكن التي اخترتها لنفسي بمحض إرادتي. يظنُّ البعض أنني أتمتّع بقدرات خارقة في التنظيم، أو أنّ حياتي خاليةٌ من الضوضاء والفوضى. لكن الحقيقة أبعدُ من ذلك، ولربما أكثرُ بساطةً فلقد عقدتُ العزم منذ زمنٍ بعيد ألا أستثمرَ إلا في ما يستحقُّ، وفي مَن يستحق.
هذا القرار لم يأتِ فجأة. جاء بعد سنين من محاولات إرضاء الجميع، بعد تجارب طويلة مع علاقات استنزفتني أكثر ممّا أضافت لي، وبعد ليالٍ مُتعبة حاولت فيها أن أفهم لماذا أشعر بالإرهاق رغم أنّني لم أقم بشيء جوهري في ذلك اليوم. كانت المشكلة غالباً في نوعية ما يملأ وقتي، لا في كميته. العلاقات الاجتماعية أو تلك التي تستمر بقوّة العادة، كانت تأخذ منّي أكثر ممّا تعطي. ليست كلّها سيئة، ولا أستطيع أن أصفها كلّها بالسّامة وفق المفهوم المباشر. لكن بالنسبة لي، كانت علاقات مرهقة، كثيفة المطالب، مُشبعة بالتوقّعات، مشوّشة بالتداخل، فقيرة جداً بالمرونة والتفهّم.
مع الوقت، بتّ أدرك أنّ كثيراً منها يقوم على الشعور بالاستحقاق من دون أيّ سندٍ حقيقي، أن يُطلب منك وقتك، واهتمامك، ودعمك، وحتى صمتك، فقط لأنّك قريب حسب معيار صلة الدم أو الصحبة القديمة. لا أحد يكلّف نفسه بالسؤال: هل يناسبك هذا؟ هل هذا ما ترغب به؟ هل هو عادل لك؟ بل يُفترض فيك أن تكون حاضراً، ومُنصتاً، ومُتجاوباً، وصبوراً، ومُمتناً للاشيء، حتى وأنت مُنهك وغارق لذقنك في مصائبك المهنية والشخصية.
علاقات مرهقة، كثيفة المطالب، مُشبعة بالتوقّعات، مشوّشة بالتداخل، فقيرة جداً بالمرونة والتفهّم
وكأنّ كلّ هذا لا يكفي لتأتي المقارنات المُتوارثة، تلك التي تتسلّل في الحديث كسمٍّ ناعم؛ من تزوّج أولاً، من دخله أعلى، من اشترى بيتاً، من ترقى، من يسافر أكثر، من أبناؤه أكثر تفوّقاً، من تراه الناس بصورة أفضل. وفي خلفية كلّ ذلك، شعور خفي بالغيرة المُقنّعة، لا يُقال صراحة، بل يُمارَس على شكل تعليق عابر لاذع، دعابة سمجة، تجاهل، أو تقليل من قيمة إنجاز الآخر. حتى باتت الألفة المزعومة تخوّل البعض أن يُعبّروا عن مشاعرهم السلبية في شكل قلق مزعوم أو نصيحة محبّة، وهي في حقيقتها مجرّد أقنعة لعدم التصالح مع الذات.
أمّا التوقّعات، فهي قصّة أخرى مُتفرّعة عن شعور الاستحقاق. هناك من يتوقّع أن تُبادر دائماً، أن تتواصل أولاً، أن تزور، أن تعتذر، أن تُهنئ، أن تسأل، أن تتذكّر. وإن لم تفعل، فأنت مقصّر، ومُتغيّر، ومغرور، وربما أناني، بينما هم غير مُطالبين بأيّ شيء، كأنّك مُطالب بأن تؤدي دورك في مسرحية لم تكتب نصّها، لكن عليك أن تحفظه وتؤدّيه بإتقان، لأن الكواليس تحكمها قرابة الدم أو الجغرافيا أو الذاكرة.
وكأنّ كلّ هذا لم يكن كافياً لتقفز في وجوهنا الحساسيات المُتراكمة، تلك التي لا تُحكى، ولا تُحلّ، فقط تتخمّر وتنتظر لحظة الانفجار أو الغمز أو العتاب غير المباشر، عندها يُصبح كلّ لقاء اجتماعي حقل ألغام: هل سأُرضي هذا؟ هل سأنسى ذكر ذاك؟ هل سأظهر بمظهر لا يُثير أحداً؟ هل سأتمكّن من الحديث من دون أن أحرّك مشاعر منسية عند أحدهم؟ بينما لا يتحرّج الآخرون من الإساءة إليك واقتحام خصوصيتك.
كلّ ذلك كان يستنزف طاقتي الذهنية والعاطفية بشكلٍ لا أُلاحظه فوراً، لكنّه يتراكم. أعود أحياناً من لقاءات اجتماعية وأنا أبتسم وأتصرّف كالمُعتاد، لكن في داخلي شيء ما كان يبهت. شعور خفيف بالثقل، كأنّني كنت أمثّل دوراً لا أرفضه تماماً، لكنّني لم أعد أرتاح له. لم يكن هناك خلاف ظاهر، ولا موقف صادم، فقط إحساس صامت بالتباعد بين ما أعيشه فعلياً، وما أحتاجه أنا حقاً.
إحساس صامت بالتباعد بين ما أعيشه فعلياً، وما أحتاجه أنا حقاً
ومع الوقت، بدأ سؤال بسيط يتكرّر داخلي: هل بات هذا الشخص في دوائري الاجتماعية يشبهني حقاً؟ هل ما أبذله هنا يُثمر شيئاً يستحق؟ وبصراحة شخصيتي الحقيقية لم تظهر قط بكاملها إلا في فضائي المهني وعلى محكات العمل، ولذلك ارتفعت نبرة ذلك الصوت الهادئ، غير المُندفع في داخلي، ليقول لي: كلّما بالغت في إرضاء الآخرين، كلّما خسرت جزءاً من ذاتك. وحين أصبحت هذه الخسارات واضحة، بدأت أستمع لذلك الصوت أكثر.
أدرك تماماً أنّ اختياري لتقليل الاحتكاكات الاجتماعية قد لا يُفهم بسهولة، خصوصاً في مجتمعات مثل مجتمعاتنا، حيث يُنظر إلى من يُقلّص حضوره الاجتماعي أو يُعيد ترتيب أولوياته وكأنّه انشقّ عن السرب أو تخلّى عن الواجبات غير المكتوبة. أعرف أنّ البعض قد يراني مُتغيّراً، أو حتى بارداً، فقط لأنني لم أعد أشارك في كلّ دعوة أو لم أُبق على علاقاتٍ لا تشبهني، ولا تهمّني ولا أرتاح في نطاقها.
ومع ذلك، أنا لم أتخلَّ عن واجبي، وما زلت مُستعداً للقيام بما يجب عليّ عن طيب خاطر، حين يكون الأمر من باب المسؤولية أو الوقوف إلى جانب من يحتاج. ما توقّفت عنه هو الانغماس في علاقات ولقاءات تستهلكني نفسياً من دون معنى، تُكرّر نفسها بلا طائل، وتمتلئ بتفاصيل تُربكني وتؤذيني أكثر ممّا تقرّبني من الآخرين.
كلّما بالغت في إرضاء الآخرين، كلّما خسرت جزءاً من ذاتك
لم أُغلق الباب ولم أعتزل الناس، لكنّني اخترت أن أكون حاضراً فقط حين أكون صادقاً وراغباً حقاً في الحضور. لأنّ ما أبحث عنه ليس العزلة، بل الوضوح، وضوح يُجنّبني الغضب الذي لا تنفع معه عقاقير، ويمنحني مساحة أعيش فيها بسلام، من دون ضغط، ومن دون تمثيل.
وربما لهذا أصل إلى ما أصل إليه في عملي وحتى أنشطتي الشخصية. حين لا أستنزف نفسي في ما لا يشبهني، وأكون حاضراً بكثافة في ما يهمني فقط. لست ملاكاً، وبالتأكيد أنا شيطان أحدهم، هذا إن لم يكونوا كُثراً. ولكنني أتقنت فن التملّص من شياطيني، فحين لا أشتّت مشاعري في علاقات سطحية غير نقية وغير صادقة، أستثمرها بصدق في من أحبّ. وحين أرتّب دوائري، أستطيع أن أُنجز، وأحبّ، وأعيش، وأستمتع من دون أن أنهار.
بالتأكيد البعض، ولربما الكثير، لديه القدرة على التحمّل والنمو والازدهار في المُحيطات الاجتماعية المُرهقة، والمعظم لديه جَلَد على تحمّلها بغضّ النظر عن السبب، ولكن احذر طال الزمان أم قصر، العلاقات السامة ستتمكّن منك.
Related News
من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز
aawsat
5 minutes ago
مدرب الترجي يهاجم التحكيم بعد خروجهم من «أبطال أفريقيا»
aawsat
12 minutes ago
قوافل الحجيج تبدأ التوافد إلى السعودية وسط خدمات متكاملة
aawsat
13 minutes ago
طهاة عالميون يكشفون عن الطبق الذي غيَّر حياتهم
aawsat
18 minutes ago