سبتمبر نت/ مقال – صلاح القميري
تُعد حرية الصحافة من الحقوق الأساسية التي تكفلها النظم الدستورية والقانونية، غير أن هذه الحرية -كأي حق- ليست مطلقة، بل تخضع لضوابط تراعي المصلحة العامة والأمن القومي. وفي ظروف الحروب والصراعات المسلحة، تكتسي هذه الضوابط أهمية مضاعفة، إذ تتحول الكلمة المنشورة من مجرد تعبير عن رأي إلى سلاح ذي تأثير مباشر في مسار المعارك ومصير الأمم. ولما كان القانون اليمني قد نظم هذه المسألة في كل من قانون الجرائم والعقوبات رقم 12 لسنة 1994م وقانون الجرائم والعقوبات العسكرية رقم(21)لسنة 1998م وقانون الصحافة والمطبوعات رقم 25 لسنة 1990م، فإنه من الضروري استعراض أحكام النصوص ذات الصلة بحماية القوات المسلحة وصون الأمن الوطني من أخطار جرائم النشر.
أولا: تعريف جرائم النشر المؤثرة على القوات المسلحة بأنها
كل استخدام متعمد لوسائل الإعلام المختلفة -سواء المقروءة، المسموعة، المرئية، أو الإلكترونية- في بث أو تداول معلومات أو أخبار أو صور أو مشاهد، بالمخالفة لأحكام القانون، مما يترتب عليه ضرر فعلي أو محتمل بالقدرات القتالية للجيش، أو الروح المعنوية للمقاتلين وهو ما نص عليه الدستور اليمني الذي كفل حرية الرأي والتعبير مع الالتزام بأحكام القانون.
ثانياً: فئات جرائم النشر المؤثرة على القوات المسلحة
تنقسم هذه الجرائم -وفقاً لنصوص قانون الجرائم والعقوبات وقانون الصحافة- إلى فئتين رئيسيتين:
الفئة الأولى: الجرائم المضرة بالمصلحة العامة والعمليات القتالية
تتمثل هذه الفئة في الأفعال التي تتجاوز ضررها الفرد إلى كيان الدولة ومؤسساتها الدفاعية، وتشمل:
أولاً: جريمة نشر الأخبار الكاذبة والإشاعات المغرضة
نصت عليها المادة (126ف2ف. 3) من قانون الجرائم والعقوبات، وتقوم على نشر أخبار او شائعات كاذبة أو مغرضة من شأن ذلك كله إلحاق الضرر بالاستعدادات الحربية للدفاع عن البلاد أو إثارة الفزع بين الناس، أو إضعاف الروح المعنوية في الشعب. أو إفشاء سر من أسرار الدفاع عن البلاد وتكتسي هذه الجريمة خطورة خاصة في زمن الحرب، يعاقب عليها بالإعدام كل من تعمد إضعاف القوات المسلحة.
ثانيا: كما نصت المادة(15 ف.) أن إذاعة او نشر أو ترديد أثناء خدمة الميدان بأي وسيلة كانت أخبار أو بيانات أو شائعات بقصد إثارة الفزع أو الرعب أو ايقاع الفشل بين القوات. كان من شأن تلك الأخبار أو الشائعات أن تودي إلي تحقيق ذلك الغرض، وتعد هذه الجريمة من أشد الجرائم وطأة، إذ تمنح العدو معلومات استخباراتية ثمينة وتعرض حياة الجنود للخطر. يعاقب عليها القانون العسكري بالإعدام أو بجزاء يتناسب مع تلك الجريمة.
ثالثاً: جريمة التحريض على الفوضى والفتنة والعنف
نصت عليها المادة (193) من قانون الجرائم والعقوبات، وتشمل الدعوة إلى قلب نظام الحكم، أو التحريض على القتل والنهب والتخريب، أو إثارة فئة من الناس ضد أخرى. وفي الشأن العسكري، يعد التحريض على العصيان والتمرد في صفوف الجيش جريمة كبرى تهدد التماسك الداخلي للقوات المسلحة.
رابعاً: جريمة إهانة القيادات والهيئات النظامية الوطنية والعسكرية
نصت عليها المادة (197) من قانون الجرائم والعقوبات، وتشمل إهانة رئيس الجمهورية بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، وكبار القادة العسكريين، ورجال الأمن، والهيئات النظامية. وتهدف هذه الجريمة إلى النيل من هيبة الدولة وانضباط الجندي، وتقويض سلسلة القيادة العسكرية.
خامساً: جريمة إثارة النعرات الطائفية والمناطقية والعرقية
نصت عليها المادة (136) من قانون الجرائم والعقوبات، وتتمثل في نشر ما من شأنه المساس بالوحدة الوطنية أو إثارة النعرات الطائفية والعنصرية. ويشكل هذا السلوك خطراً على تماسك الجيش الذي يقوم على مبادئ المواطنة المتساوية والوحدة الوطنية.
سادساً: جريمة تكدير السلم العام والإضرار بسمعة البلاد نصت عليها المواد (198، 199، 200، 201) من قانون الجرائم والعقوبات، وتشمل نشر أخبار أو صور أو أفعال من شأنها تكدير الأمن العام، أو الخدش بالآداب، أو الإساءة لسمعة اليمن ومكانتها.
الفئة الثانية: الجرائم المساس بمصلحة الأفراد واعتباراتهم:
تشمل هذه الفئة جرائم السب والقذف والتشهير والمساس بحرمة الحياة الخاصة، وفقاً لأحكام قانون العقوبات. ورغم أن هذه الجرائم تبدو فردية ، إلا أن تأثيرها يمتد في الجانب العسكري إلى إضعاف معنويات الأفراد العسكريين، وإثارة الضغائن داخل الوحدة الواحدة، مما ينعكس سلباً على الانضباط والأداء القتالي.
ثالثاً: تأثير جرائم النشر على القوات المسلحة:
أولا -هدم الروح المعنوية للجنود والمقاتلين:
حيث تمثل الروح المعنوية الركيزة الأساسية للفعالية القتالية لأي جيش. وعندما يتعرض الجندي لأخبار كاذبة عن هزائم مفبركة، أو خيانة مزعومة، أو نفاد مؤن وذخائر، فإنه يصاب بحالة من اليأس والإحباط تفقده الثقة بقادته ورفاقه، وتجعله أسرع إلى الفرار وأبطأ في تنفيذ الأوامر. والنتيجة الحتمية هي جيش منهزم قبل أن تبدأ المعركة.
ثانيا : إمداد العدو بالمعلومات الاستخباراتية:
يشكل نشر المعلومات المتعلقة بالتحركات العسكرية والخطط القتالية خدمة مباشرة للعدو، تمنحه ميزة استخباراتية تعادل تجنيد جواسيس دون تكلفة. والعدو الذي يمتلك معلومات دقيقة عن خصمه يصبح قادراً على نصب الكمائن، واستباق الهجمات، واستهداف المراكز الحيوية، مما يحول دون تحقيق النصر ويكبد القوات المسلحة خسائر فادحة.
ثالثا : تقويض سلسلة القيادة والانضباط العسكري
القيادة العسكرية محلها الهيبة والاحترام لضمان تنفيذ الأوامر بسرعة ودقة. وإهانة القادة أو التشكيك في قراراتهم أو نشر إشاعات عن خلافاتهم يخلق بلبلة في سلسلة القيادة، ويفتح باب الشك لدى الجندي حول الانقياد والتضحية. وفي ساحة المعركة، فإن أي تردد أو نقاش في تنفيذ الأوامر قد يكلف الأرواح ويحول النصر إلى هزيمة.
رابعا : تفكيك الجبهة الداخلية: بإشغال الدولة بصراعات جانبية حيث لا يحارب الجيش بمعزل عن مجتمعه، بل هو جزء من نسيج وطني يحتاج إلى التماسك والدعم المجتمعي. وجرائم النشر التي تهدف إلى إثارة الفتن الطائفية أو تحريض فئة ضد أخرى أو الدعوة إلى الفوضى تؤدي إلى انشغال والدولة بجبهات داخلية بديلة، وتحويل القوات المسلحة والأمن عن مهمتهما الأساسية، وتجريد المجتمع من قدرته على مساندة جنوده. وهكذا، يحقق العدو أهدافه دون أن يطلق رصاصة واحدة.
رابعاً: المسؤولية القانونية في جرائم النشر
لا تقتصر المسؤولية الجزائية والمدنية في جرائم النشر على من حرر المادة المخالفة، بل تمتد -وفقاً لأحكام قانون الصحافة- إلى كل من ساهم في وصولها إلى الجمهور، وتشمل:
1- المسؤولية المباشرة: تقع على عاتق الصحفي أو المدون أو الناشر الذي كتب المادة المخالفة أو قام بنشرها عبر حساباته الخاصة.
2-المسؤولية بالتضامن: تمتد إلى رئيس التحرير، والمدير المسؤول، والمالك، والمسؤول عن الموقع الإلكتروني أو الصفحة، إذ يُعد إقرار النشر أو التساهل فيه دون رقابة مشاركة في الفعل الإجرامي.
3-المسؤولية عن المحتوى التفاعلي: في منصات التواصل الاجتماعي، قد يتحمل مالك الصفحة أو المشرف عليها مسؤولية التعليقات المخالفة إذا لم يقم بإزالتها أو الرد عليها في وقت معقول.
خامساً: العقوبات المقررة في القانون اليمني
تتنوع العقوبات في جرائم النشر المؤثرة على القوات المسلحة والأمن الوطني بين:
العقوبات المالية: غرامات تتفاوت قيمتها حسب نوع الجريمة وخطورتها.
العقوبات السالبة للحرية: الحبس أو السجن لفترات متفاوتة، وقد تصل إلى أحكام شديدة في جرائم الخيانة العظمى وإفشاء الأسرار العسكرية.
-العقوبات التبعية: الحرمان من مزاولة المهنة الصحفية لمدة محددة.
-العقوبات الجماعية: إغلاق الصحيفة أو الموقع الإلكتروني، مصادرة المواد المطبوعة، تعليق الترخيص.
سادساً: ضوابط ممارسة أعمال الصحافة المسؤولة في زمن الحرب:
يظل الصحفي حراً في أداء رسالته، غير أن هذه الحرية تقترن بمسؤوليات وضوابط أخلاقية وقانونية، منها:
1-التحقق قبل النشر: التأكد من صحة المعلومة من مصادر موثوقة ومتعددة، وتجنب تداول ما لم يتثبت من صحته.
2- عدم الإضرار بالعمليات القتالية بالامتناع عن نشر أي معلومات قد تضر بالقوات المسلحة أو تعرض حياة الجنود للخطر.
3-عدم خدمة أعداء الوطن: عدم الانخراط في الحملات الدعائية التي يشنها العدو لإضعاف الروح المعنوية.
4-احترام القيادة العسكرية: الفصل بين النقد البناء المشروع والإهانة والتشكيك في الشرعية.
5-الحفاظ على الوحدة الوطنية وتجنب كل ما من شأنه إثارة النعرات والفتن التي تفرق المجتمع والجيش.
الخاتمة: في ظروف الحروب والصراعات، تصبح معركة القلم قرينة معركة السلاح، بل قد تكون أشد تأثيراً وأبقى أثراً. فالصحفي ليس ناقلاً محايداً للأخبار فحسب، بل هو شريك في مسؤولية الدفاع عن الوطن، وكلمته قد تنقذ جندياً وقد تقتله، وقد ترفع معنويات جيش وقد تحطمها.
لقد أوجب القانون اليمني على كل صحفي وناشر أن يكون واعياً بخطورة ما ينشره، وأن يلتزم بالقيم الدينية والوطنية، وأن يتجنب كل ما من شأنه الإضرار بالقوات المسلحة أو زعزعة الأمن الوطني. فالحرية ليست فوضى، والدفاع عن الوطن يبدأ بالكلمة الصادقة المسؤولة قبل الرصاصة.
ومن هذا المنطلق، تأتي ضرورة ملاحقة كل من يستخدم النشر عمداً للإضرار بالقوات المسلحة، أو إفشاء أسرارها، أو إضعاف معنوياتها، أو التحريض ضد قيادتها، وذلك صوناً لدماء الجنود الذين يضحون بأرواحهم، واستقراراً للبلاد وأمناً، وقطعاً للطريق على أعداء الوطن المتربصين به.