Arab
حذر صندوق النقد الدولي، اليوم الأربعاء، من أن الزيادة المتسارعة في إصدار الديون الأميركية بدأت تقوض الميزة التي كانت تتمتع بها سندات الخزانة الأميركية لدى المستثمرين، وهو ما قد تكون له تداعيات على أسواق السندات الحكومية حول العالم. وقال الصندوق، في أحدث تقرير له عن الراصد المالي، إن الزيادة في عرض سندات الخزانة الأميركية تضغط على علاوة الأمان التي كانت تتمتع بها تقليديا، وهو تآكل يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض عالميا.
وجاء هذا التحذير في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة بيع كميات كبيرة من الديون، في ظل عجز في الميزانية بلغ في المتوسط نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات الثلاث الماضية، وهو مستوى مرتفع تاريخيا خارج فترات الحروب أو الركود، ومن المتوقع أن يستمر عند مستويات مماثلة خلال العقد المقبل، وفقا لتقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس الأميركي.
وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن تضاؤل الفارق بين عوائد السندات الشركاتية ذات التصنيف الائتماني المرتفع (AAA) وسندات الخزانة الأميركية يعد مؤشرا إلى تراجع جاذبية الأخيرة. فبينما كان هذا الفارق يستخدم عادة لقياس المخاطر المرتبطة بالشركات، يعكس الآن حجم العلاوة التي كان المستثمرون مستعدين لدفعها مقابل أمان وسيولة السندات الحكومية الأميركية. وأوضح الصندوق أن تقلص الفارق يعني أن العلاوة التي يدفعها المستثمرون مقابل أمان وسيولة سندات الخزانة (مقارنة بالديون الشركاتية عالية الجودة) آخذة في الانخفاض، مشيرا إلى أن هذا الفارق تراجع إلى نحو 0.35% مقارنة بأكثر من 0.55% في بداية عام 2019.
كما حذر الصندوق من اعتماد وزارة الخزانة الأميركية بشكل متزايد على إصدار ديون قصيرة الأجل، وهو ما يزيد المخاطر المالية. وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قد صرح العام الماضي بأنه لا يرى جدوى من زيادة إصدار السندات طويلة الأجل، نظرا لارتفاع عوائدها مقارنة بأذون الخزانة قصيرة الأجل. وقال الصندوق: "عندما يتركز الدين في آجال قصيرة، تضطر الحكومات إلى إعادة التمويل بشكل متكرر، ما يزيد تعرضها لتقلبات مفاجئة في الأسواق أو في مزاج المستثمرين"، مضيفا أن الولايات المتحدة، إلى جانب عدد من الحكومات الأخرى، اتجهت بشكل متزايد نحو الاعتماد على إصدار الأذون قصيرة الأجل. وتأتي هذه التحذيرات قبل ثلاثة أسابيع فقط من إعلان وزارة الخزانة الأميركية خطتها الجديدة لإصدار الديون، المعروفة ببيان إعادة التمويل ربع السنوي.
الدول الأكثر حيازة للسندات الأميركية
وتعد سوق سندات الخزانة الأميركية أكبر سوق دين سيادي في العالم، حيث تجاوز حجمها 26 تريليون دولار في 2026، بحسب بيانات وزارة الخزانة الأميركية. وتشير البيانات إلى أن الولايات المتحدة تعتمد بشكل متزايد على إصدار السندات لتمويل العجز في الميزانية، والذي بلغ في المتوسط نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وهو مستوى مرتفع تاريخيا. وتلعب الاستثمارات الأجنبية دورا محوريا في سوق السندات الأميركية، حيث يمتلك المستثمرون الدوليون نحو 7.5 تريليونات دولار من سندات الخزانة.
وتشير بيانات وزارة الخزانة الأميركية إلى أن الاستثمارات الأجنبية في سندات الخزانة الأميركية تتركز في عدد محدود من الاقتصادات الكبرى، حيث تتصدر اليابان قائمة المستثمرين بحيازات تتجاوز تريليون دولار، تليها الصين بحوالي 780 مليار دولار، ثم المملكة المتحدة التي تمتلك أكثر من 700 مليار دولار. وعربيا تمتلك السعودية نحو 111 مليار دولار، بينما تقدر استثمارات الإمارات بين 70 و90 مليار دولار، والكويت بين 45 و55 مليار دولار، وقطر بين 30 و40 مليار دولار، ما يرفع إجمالي الحيازات الخليجية المباشرة إلى نطاق يراوح بين 250 و300 مليار دولار تقريبا.
وأشار صندوق النقد الدولي إلى تنامي دور صناديق التحوط في سوق سندات الخزانة الأميركية، خاصة من خلال ما يعرف بصفقات الأساس بين النقد والعقود الآجلة، معتبرا أن هذا الدور يمثل مصدر خطر إضافيا. وأوضح أن السيولة التي توفرها صناديق التحوط عبر هذه الصفقات ربما تكون عرضة للتقلب، لأنها تعتمد على مستثمرين يستخدمون مستويات عالية من الرافعة المالية، وبالتالي فإن أي ارتفاع مفاجئ في التقلبات أو تكاليف التمويل قد يؤدي إلى عمليات بيع قسرية تضخم اضطرابات الأسعار. وحذر الصندوق من أن مجموعة من العوامل - من بينها ارتفاع احتياجات الاقتراض، وتزايد اعتماد السوق على صناديق التحوط، والاعتماد المتزايد على الديون قصيرة الأجل - تجعل سوق سندات الخزانة الأميركية أكثر عرضة لما وصفه بإعادة تسعير مفاجئة.
سيناريوهات سلبية
وأشار إلى أن هذه الديناميكيات قد تعزز بعضها بعضا، موضحا أنه إذا بدأ المستثمرون في القلق بشأن قدرة دولة ما على إعادة تمويل ديونها، فقد يطالبون بعوائد أعلى أو يعزفون عن شراء السندات، ما يفاقم المخاوف الأولية ويؤكدها. وأضاف أن الضغوط السياسية الناتجة عن ارتفاع تكاليف خدمة الدين قد تتحول بدورها إلى مصدر جديد لعدم اليقين في الأسواق. وفي سياق متصل، أشار الصندوق إلى أن الحرب في إيران ستضيف ضغوطا مالية جديدة على الحكومات، حيث ستضطر إلى الاختيار بين دعم اقتصاداتها في مواجهة ارتفاع تكاليف الطاقة أو الحد من مستويات الاقتراض.
وقال الصندوق: "الشرق الأوسط أضاف مصدرا جديدا للضغوط المالية إلى مشهد عالمي يعاني أصلا من الإجهاد"، محذرا من أنه في حال استمرار الصراع لفترة طويلة، قد يرتفع مستوى الدين المعرض للمخاطر عالميا بنحو 4% إضافية، في إشارة إلى احتمال زيادة صعوبات السداد في سيناريوهات سلبية.
ومع اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية من مختلف أنحاء العالم في واشنطن هذا الأسبوع ضمن الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد والبنك الدولي، وجه الصندوق انتقادات لسياسات المالية العامة في معظم الاقتصادات الكبرى. ففي الولايات المتحدة، أشار إلى عدم وجود خطة واضحة لضبط الدين، بينما تواصل الصين تسجيل عجز مالي كبير يضاف إلى أعباء ديونها. كما لفت الصندوق إلى أن عددا من دول الاتحاد الأوروبي لجأت إلى تفعيل بنود استثنائية في قواعد العجز لتمويل الإنفاق الدفاعي.
ورغم ذلك، أكد الصندوق أن للولايات المتحدة دورا خاصا نظرا للطبيعة العالمية لسوق سندات الخزانة الأميركية، حيث تنتقل تأثيرات هذه السوق إلى بقية الأسواق العالمية بشكل مباشر. وقال الصندوق: "انتقال التأثير عالمي، إذ إن الارتفاعات في عوائد السندات الأميركية الناتجة عن زيادة العرض تنتقل تقريبا بشكل كامل إلى أسواق السندات الأجنبية، وتؤثر بشكل أكبر على الدول التي تعتمد على التمويل الخارجي".
تحذير من دعم الوقود
وفي هذا السياق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب في المنطقة فاقمت الضغوط على الوضع المالي العالمي الهش بالفعل، إذ أدت أسعار الفائدة المرتفعة وأسعار الطاقة المتزايدة إلى تصاعد المطالبات بالدعم من الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية. وذكر رودريغو فالديز، مدير إدارة شؤون المالية العامة الجديد في الصندوق، أنه ينبغي على الدول تجنب دعم الوقود لمساعدة مواطنيها على مواجهة نقص النفط وما يتبعه من ارتفاع حاد في أسعار الطاقة. وأضاف أن التحويلات النقدية المؤقتة والموجهة التي لا تخفي ارتفاع الأسعار ستكون خيارا أفضل بكثير.
ومن جانبه، قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، اليوم الأربعاء، إن الاقتصاد سيشهد تباطؤا هذا الربع في ظل الحرب على إيران، لكنه أكد أنه في حالة جيدة وسينتعش. وذكر بيسنت في مقابلة مع قناة "سي.إن.بي.سي"، أن أسعار النفط لا تؤثر سلبا على ما يبدو على توقعات التضخم. وأضاف أن البيانات الدقيقة عن الاقتصاد الأميركي رائعة، وأن وزارة الخزانة ستتابع مبيعات البنزين بالتجزئة للمستهلكين.
وفي هذا السياق أيضاً، قال دبلوماسيون من الاتحاد الأوروبي لوكالة رويترز إن الاتحاد حذر الدول الأعضاء، اليوم الأربعاء، من أنه في حال استمرار الحرب في المنطقة ستواجه أسواق الطاقة صدمة طويلة الأمد في الإمدادات من شأنها أن تجبرها على خفض استهلاك الوقود. وتتعرض إمدادات الطاقة العالمية لضربة قوية بسبب الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز جراء الحرب، وعادة ما يمر من المضيق 20% من إمدادات العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال. ولم تواجه أوروبا بعد نقصا في الإمدادات، لكنها تعاني من ارتفاع أسعار النفط والغاز، وحذرت المطارات من احتمال حدوث أول نقص في وقود الطائرات خلال أسابيع.

Related News
نتنياهو: قواتنا ستواصل استهداف «حزب الله»
aawsat
4 minutes ago
رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين
aawsat
6 minutes ago
الفتح يتقهقر... وجماهيره: نحن في خطر
aawsat
13 minutes ago