البابا يخطب في الجامع..."ضربة معلم"
Arab
2 days ago
share
يصف الكاتب والسياسي الجزائري البارز عبد العزيز غرمول زيارة بابا الكاثوليك لاوون الرابع عشر إلى الجزائر بأنّها "ضربة معلم"، وهي كذلك على أكثر من صعيد، وعلى أي مقياس تُقاس به، من حيث أهميتها السياسية والدبلوماسية بالنسبة إلى بلد كالجزائر، وقيمتها الدينية لتكريس البلد كنقطة تقاطع إيجابية بين الديانات، واستحضار كثيف لميراث تاريخي تزخر به الجزائر، لم يجد بعد المسالك الثقافية والسياسية لتسويقه والاستثمار فيه كملك للإنسانية قبل أن يكون ملكاً للجزائر. أكثر ما حضر في خطاب البابا، كانت دعوته إلى السلم ونبذ الكراهية ورفض الحرب، ودعوته في كل خطبه التي ألقاها، في خلال زيارته إلى الجزائر، المجموعةَ المسيحية إلى تبني قيم السلم والسلام والتسامح واحترام كرامة الإنسان، وصلاته ليعمّ الأمن والسلم مناطق ذكرها بعينها؛ لبنان وفلسطين ودول الخليج. ومثل هذا الخطاب الرصين، لا يأخذ أهميّته فحسب من كونه صادراً عن البابا، بصفته المرجعية والدينية، أو بحكم توقيته في ظلّ الحروب البشعة في كامل منطقة الشرق الأوسط؛ في فلسطين ولبنان وإيران والخليج، ولكنه يأخذ أهميته كونه يرفع كل الغطاء السياسي والديني عن قادة الدول والمجموعات الحكومية والسياسية والإعلامية التي تعطي للحرب القائمة بعداً دينياً، وتبدأ المعارك بالصلوات. مثل هذا الخطاب لا ولن يروق أبداً لرئيس مثل دونالد ترامب، ذلك أن مثل هذا الخطاب من المرجعية الدينية الأولى في المجتمع الكاثوليكي المسيحي، يفضح الاستخدام الوظيفي للدين من قبل ترامب ومجموعته السياسية والعسكرية، واستغلال الفكرة المسيحية كممول معنوي ومغذٍّ للحرب الأخيرة على إيران. نسف البابا الأساس الديني الذي سخّره ترامب لبناء سردية الحرب، ورفع الغطاء الديني عن مزاعم البيت الأميركي. يدرك ترامب أن ذلك يزيد من إضعاف موقفه ومبرراته أمام الرأي العام الأميركي والدولي، فليس صحيحاً ما يزعمه من أن هذه الحرب بين المسيحي الطيب والمسلم الشرير، بين القيم الإنجيلية والتطرف الإسلامي كما يريد أن يُصوَّر الأمر، ويفقد ترامب بذلك عكازاً كان يتكئ عليها لإسناد موقفه. لم يسمه، لكن البابا كان يقصد لا محالة ترامب وشركاءه في الحروب وفي النزعات التوسعية باسم العالم الحرّ والمتقدم، حين قال إن "مجتمعات كثيرة اليوم تعتقد أنها متقدّمة، وما زالت تزداد انحداراً في اللامساواة والإقصاء". أكثر من ذلك، كان لافتاً أن استدعاء البابا في خطابه الأمير عبد القادر الجزائري، بكل رمزيته الإسلامية السمحاء، وخلفيّته المقاومة، ضمن نفس سياق حديثه عن الحرب، مقصود به نسف المزاعم والسرديات التي يبنيها ترامب. لقد مثّل الأمير عبد القادر نموذجاً في المقاومة كحق سيادي للشعوب ضد محاولات استضعافها واحتلال أرضها، ونموذجاً للتسامح وحماية المسيحيين في فتنة دمشق المعروفة، وهذه رسالة واضحة من البابا بأن وصم الإسلام والمسلمين بالتطرف فكرة متهافتة لا تصمد أمام نماذج جبارة مثّلت أسمى قيم الدين الحنيف. الصورة التي ستبقى خالدة في مجمل زيارة بابا الفاتيكان لاوون الرابع عشر إلى الجزائر حضوره في جامع الجزائر، بكل ما يحمل ذلك من رمزية كبيرة. الفكرة موفّقة على أكثر من صعيد رمزي، إذ إنّها تدفع باتجاه إظهار القدر الكبير من الاحترام الأديان بعضها بعضاً، وإبراز الاستقرار والسكينة الإنسانية اللذين يمكن أن يتولّدا عن التسامح والتعايش.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows