تحولات العلاقة بين العرب وإسرائيل
Arab
3 hours ago
share
ليس من السهل، وربّما ليس من المقبول عاطفياً لدى كثيرين، الحديث عن التعايش في سياق علاقة صاغتها الحروب والاقتلاع والذاكرة الجريحة. ومع ذلك، فإنّ أكثر ما يُميّز التاريخ ليس وفاءه للمشاعر، بل خضوعه لمنطق التحوّل. ما كان يبدو ثابتاً يتصدّع، وما كان مستحيلاً يصبح ممكناً حين تتغيّر موازين القوة، وتتبدّل أولويات الشعوب، ويُستنزف منطق الصراع إلى حدّ العجز. منذ إعلان قيام دولة إسرائيل، دخلت المنطقة طوراً من المواجهة المفتوحة، حيث بدا أنّ الصراع وجودي لا يقبل التسويات. لم تكن الحروب التي تلت ذلك، من حرب 1948 إلى حرب 1967 ثم حرب أكتوبر 1973، مجرّد مواجهات عسكرية، بل كانت تعبيراً عن تصوّر شامل للعلاقة: إمّا نفي أو نُنفى. غير أن هذا التصوّر، رغم شدّته، لم ينجح في إنتاج حسم تاريخي، بل أنتج حالة مزمنة من اللايقين، حيث لا انتصار كاملا ولا هزيمة نهائية، بل صراع يُعاد إنتاجه بأشكال مختلفة. ومع مرور الزمن، بدأت تظهر شقوق في جدار هذا المنطق الصلب. لم يكن ذلك نتيجة صحوة أخلاقية مُفاجئة، بل نتيجة إدراك تدريجي بأنّ كلفة الصراع المفتوح أعلى من قدرات الدول والمجتمعات، وأنّ استمرار المواجهة بالشكل التقليدي لم يعد مُمكناً في عالم يتغيّر بسرعة. في هذا السياق، جاءت اتفاقيات كامب ديفيد كأوّل تحوّل استراتيجي، ليس لأنّها أنهت الصراع، بل لأنّها كسرت إحدى مسلّماته: أنّ الحرب هي الخيار الوحيد. ثم تلتها اتفاقيات أوسلو، التي حاولت نقل الصراع من ميدان المواجهة إلى ميدان التفاوض، رغم كلّ ما شابها من تعثّرات وتناقضات. ولاحقاً، جاءت اتفاقيات أبراهام لتؤكّد أنّ التحوّل لم يعد استثناءً، بل أصبح اتجاهاً يتسع، حتى وإن ظلّ مُثيراً للجدل. أكثر ما يميّز التاريخ ليس وفاءه للمشاعر، بل خضوعه لمنطق التحوّل غير أنّ هذه التحوّلات، مهما بدت سياسية في ظاهرها، تعكس في العمق تغيّراً أعمق في بنية التفكير. فالصراع الذي كان يُقدَّم بوصفه قدراً تاريخياً، بدأ يُعاد النظر فيه كحالة قابلة للإدارة، وربما للتجاوز. لم يعد السؤال: كيف ننتصر؟ بل: كيف نعيش؟ وهذا التحوّل في السؤال هو ما يمهّد الطريق لفكرة التعايش. لكن التعايش، هنا، ليس كلمة سهلة أو بريئة. إنّه مفهوم إشكالي، يحمل في داخله توتّراً بين الواقع والمبدأ، بين المُمكن والمطلوب. فالتعايش الذي لا يقوم على الاعتراف بالحقوق، وعلى معالجة جذور الظلم، قد يتحوّل إلى مجرّد غطاء لإدارة اختلال دائم. وفي المقابل، فإنّ التشبّث بخطاب المواجهة من دون أفق عملي، قد يحوّل القضية إلى شعار مُعلّق خارج التاريخ. إنّ ما تفرضه اللحظة الراهنة هو الخروج من هذا المأزق المزدوّج: مأزق السلام الشكلي، ومأزق الصراع العقيم. وهذا يقتضي إعادة تعريف التعايش، لا بوصفه استسلاماً، بل بوصفه أفقاً جديداً للصراع نفسه، حيث ينتقل من منطق الإلغاء إلى منطق التفاوض، ومن حلم الحسم إلى إدارة التعدّد. ولعلّ أخطر ما عطّل هذا الانتقال، هو تحويل الصراع إلى مواجهة هُويّاتية مغلقة، تُستدعى فيها النصوص الدينية، والذاكرات الجماعية، لتكريس قطيعة مطلقة. غير أنّ هذا التصوّر، رغم قوّته التعبوية، يعمّق المأزق بدل أن يحلّه. فحين يُفهم الصراع بوصفه حربًا بين أديان أو أعراق، يصبح غير قابل للحل بطبيعته. أما حين يُعاد وضعه في إطاره السياسي، كنزاع على الأرض والحقوق والسيادة، فإنّه يستعيد قابليته للتفاوض، حتى وإن كان ذلك ببطء وتعقيد. الصراع الذي كان يُقدَّم بوصفه قدراً تاريخياً، بدأ يُعاد النظر فيه كحالة قابلة للإدارة، وربما للتجاوز إنّ التحوّل من الصراع إلى التعايش لا يحدث بقرار مفاجئ، بل هو مسار طويل، تتداخل فيه عوامل القوّة والسياسة والوعي. وهو مسار لا يخلو من التراجعات والانتكاسات، لكنه، في المجمل، يعكس اتجاهاً يصعب تجاهله. فالعالم الذي كان يحتمل الحروب الشاملة، لم يعد كذلك، والدول التي كانت تُدار بمنطق التعبئة الدائمة، لم تعد قادرة على الاستمرار في ذلك من دون كلفة وجودية. في هذا الأفق، لم يعد التعايش خياراً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة تاريخية. لا لأنّه يحقّق العدالة الكاملة، بل لأنه يفتح إمكاناً للخروج من دائرة العنف المُغلق. إنّه، بهذا المعنى، ليس نهاية الصراع، بل بدايته في شكل جديد: صراع تفاوضي، سياسي، قابل للتدبير، بدل أن يكون صراعاً صفرياً مفتوحاً على الدمار. هكذا، لا يعود السؤال: هل نريد التعايش؟ بل: كيف نصوغه؟ كيف نجعله قائماً على الحدّ الأدنى من العدالة، لا على توازن الخوف فقط؟ وكيف نحوّله من خيار اضطراري إلى أفق قابل للحياة؟ تلك هي المُعضلة الحقيقية التي تطرحها تحوّلات العلاقة بين العرب وإسرائيل: ليس كيف نُنهي الصراع، بل كيف نُعيد تعريفه، بحيث يصبح مُمكناً العيش في ظلّه، من دون أن يتحوّل إلى قدر دائم من العنف. وفي هذا التحوّل، بكلّ ما يحمله من تناقضات، يكمن المعنى العميق للانتقال من الصراع إلى التعايش.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows