لا يزال الوعي الوطني المسؤول غائبًا وبشكل مؤسف لدى عدد من القوى السياسية، وعلى وجه الخصوص بعض الأحزاب التي كان لها دور بارز في إضعاف مؤسسات الدولة اليمنية خلال السنوات الماضية.
والحقيقة التي لا يمكن القفز عليها أن الجميع يتحمل بدرجات متفاوتة مسؤولية ما آلت إليه بلادنا، إذ ساهمت حسابات ضيقة وصراعات نفوذ في تمكين المشروع السلالي والميليشياوي من التغلغل داخل مؤسسات الدولة، وصولًا إلى إسقاطها واختطافها.
وخلال الأيام الماضية، تابعنا موجة جديدة من التراشق الإعلامي بين هذه القوى، وهو مشهد يعكس بوضوح أن الدروس القاسية التي مر بها الوطن لم تُستوعب بعد، فالأهداف لا تزال آنية وضيقة، ولا ترتقي إلى مستوى التحدي الوطني الكبير، ولا إلى حجم اليمن الذي نعرفه، يمن القيم، والكرم، والتسامح، والوفاء، والالتزام بالعهود والمواثيق.
إن الإشكالية لا تكمن فقط في الخلافات السياسية، بل في طريقة إدارتها، وفي الخطاب الذي يغذي الانقسام بدلًا من احتوائه فليس من المنطقي أن تُرفع شعارات وحدة الصف الوطني، في الوقت الذي تُدار فيه معارك جانبية تستهدف الشركاء في معركة استعادة الدولة، هذا التناقض يضعف الجبهة الداخلية، ويمنح الخصم فرصة لإعادة ترتيب صفوفه وتعزيز مكاسبه.
إن القيادات الوطنية التي يُعوَّل عليها مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بترجمة رؤاها إلى مواقف عملية، لا الاكتفاء بالخطاب العام، كما أن عليها توجيه قواعدها وأنصارها نحو خطاب مسؤول يعزز التماسك، ويحد من الانزلاق إلى صراعات عبثية تستنزف الجميع، فالمعركة الحقيقية ليست بين المكونات الوطنية، بل مع المشروع الذي يستهدف هوية الدولة اليمنية ونظامها الجمهوري.
ورغم كل التعقيدات، لا تزال هناك فرصة حقيقية لتصحيح المسار، فرصة لتحكيم العقل، والانتقال من مرحلة التوافق الشكلي إلى التوافق الفعلي المبني على شراكة وطنية عادلة، تحفظ الحقوق، وتعيد الاعتبار لمفهوم الدولة كمظلة جامعة لكل اليمنيين.
إن استعادة الجمهورية وعاصمتها، وإنهاء الانقلاب، والقضاء على المشروع الإمامي الجديد المدعوم من النظام الإيراني، يجب أن تبقى هي الأولوية الجامعة التي تتقدم على ما سواها. وأي انحراف عن هذه البوصلة لا يخدم إلا خصوم الدولة، ويطيل أمد الأزمة.
نحن اليوم أمام مفترق طرق إما أن تنتصر الإرادة الوطنية الجامعة، أو تستمر دوامة التنازع التي أنهكت الدولة اليمنية، والتاريخ لن يرحم من يكرر الأخطاء، ولا من يضع مصالحه الضيقة فوق مصلحة وطن بحجم اليمن.