مياه اليرموك ترسم ملامح الشراكة الاستراتيجية بين سورية والأردن
Arab
2 hours ago
share
يشهد ملف المياه بين سورية والأردن تحولاً لافتاً منذ سقوط النظام السابق في سورية، بعد سنوات طويلة من التوتر والتعثر، خاصة في ما يتعلق بإدارة حوض نهر اليرموك، أحد أهم الموارد المائية المشتركة بين البلدين. وعبّر مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية السورية محمد الأحمد، في تصريحات لقناة "المملكة" الأردنية أمس الاحد، عن استعداد سورية لمشاركة مياهها مع الأردن، وأشار إلى إحراز تقدم كبير في ملف المياه بين البلدين، بالتزامن مع حراك دبلوماسي نشط تجلى في عقد اجتماعات رفيعة المستوى بمشاركة عشرات الوزراء، إلى جانب توقيع حزمة واسعة من الاتفاقيات التي تتجاوز البعد المائي لتشمل مجالات اقتصادية وخدمية متعددة. وتضع هذه التطورات ملف المياه ضمن إطار أوسع من إعادة بناء العلاقات الثنائية، حيث لم يعد يُنظر إليه باعتباره ملفَّ نزاع تقني فقط، بل بوصفه جزءاً من مشروع تكامل اقتصادي وسياسي. ويبرز نهر اليرموك في قلب هذا التحول كونه المورد المائي الرئيسي الذي تتقاسمه الدولتان، مع تمركز نحو 70% من حوضه داخل الأراضي السورية، ما يمنح الجانب السوري موقعاً حاسماً في عملية التوزيع. وتشير الاتفاقات الأخيرة بين الجانبين إلى توجه نحو إدارة أكثر حداثة واستدامة لهذا المورد، من خلال مراجعة الاتفاقيات السابقة، وإجراء دراسة علمية شاملة للحوض، تشمل رصد كميات الأمطار والتدفقات المائية ووضع السدود والآبار، إضافة إلى تركيب أجهزة قياس حديثة لضمان الشفافية في تبادل البيانات. كما تُبحث إمكانية تزويد الأردن بكميات إضافية من المياه خلال فصل الصيف في ظل النقص الحاد الذي تعاني منه مناطقه الشمالية، فضلاً عن التعاون في مشاريع مثل الاستمطار لتعزيز الموارد المائية. ويأتي هذا التقارب بعد حقبة مديدة من الخلافات، إذ شهدت السنوات الماضية خروقاً واضحة للاتفاقيات الموقعة، تمثلت في بناء عدد كبير من السدود في الجانب السوري يفوق ما هو مسموح به، كما يقول الجانب الأردني، إضافة إلى حفر آلاف الآبار، ما أدى إلى استنزاف المياه وتراجع التدفقات إلى مستويات متدنية للغاية. وتشير الأرقام إلى أن كميات المياه التي تصل إلى الأردن انخفضت بشكل كبير، حيث لم تتجاوز في بعض السنوات سوى جزء بسيط من المعدلات المتفق عليها، وهو ما انعكس سلباً على مخزون سد الوحدة وأدى إلى خسائر مائية واقتصادية كبيرة. ونتيجة للتوسع العشوائي في بناء السدود خلال عهد النظام السابق، إذ بُني نحو 50 سداً وخزاناً على روافد اليرموك، بينما نصت اتفاقية 1987 على 27 سداً فقط. كما حُفر نحو 10 آلاف بئر في حوض اليرموك، ما أدى إلى جفاف الحوض وتراجع تدفقاته إلى أقل من 50 مليون متر مكعب سنوياً، بعد أن كانت التقديرات تتوقع أكثر من 200 مليون. ويضاف الى ذلك انخفاض التدفق السنوي إلى السد بشكل حاد، حيث سجل في عام 2024 نحو 14.47 مليون متر مكعب فقط، وهو رقم ضئيل جداً مقارنة بسعته التخزينية البالغة 110 ملايين. ويعتبر نهر اليرموك، أحد أكبر روافد نهر الأردن الذي يبلغ طوله 57 كيلومتراً، منها 47 كيلومتراً داخل الأراضي السورية، والباقي يقع في المناطق الحدودية الشمالية الأردنية - الفلسطينية. ووقع الجانبان السوري والأردني اتفاقية استثمار مياه نهر اليرموك في العام 1987، وأقاما سد الوحدة على نهر اليرموك عام 2004 بطاقة تخزينية تبلغ 115 مليون متر مكعب، لكن ما زالت الخلافات المائية قائمة بين الجانبين حتى الآن. ويهدف السد إلى تزويد الأردن بالماء، للاستهلاك البشري والزراعة، مقابل تزويد سورية بالطاقة الكهرومائية. وتحمل الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي تمويل معظم نفقات بناء السد. وقال الأردن إنه لم يحصل سوى على نسبة محدودة من تدفقات الحوض، رغم حاجته الماسة للمياه، في ظل تصنيفه واحدةً من أفقر دول العالم مائياً مع انخفاض حصة الفرد إلى مستويات تقل عن خط الفقر المائي العالمي. وفي المقابل، تعاني سورية أيضاً من تحديات مائية متزايدة نتيجة تضرر بنيتها التحتية خلال سنوات الحرب، إلى جانب التغيرات المناخية التي أثرت على معدلات الهطول خلال السنوات الماضية. وضمن هذا السياق، يبدو أن التقارب الحالي مدفوع بعوامل متعددة، أبرزها اشتداد الأزمة المائية لدى الطرفين، وتغير البيئة السياسية، ووجود رغبة مشتركة في تحويل المياه من مصدر خلاف إلى مدخل للتعاون. كما أن ربط الملف المائي بقطاعات أخرى مثل الطاقة والتجارة يعزز من فرص استدامة هذا التقارب، ويمنحه بعداً استراتيجياً أوسع. ومع ذلك، تبقى التحديات قائمة، خاصة في ما يتعلق بمدى الالتزام بتنفيذ الاتفاقات، وضمان الشفافية في تبادل المعلومات، وضبط الأنشطة غير القانونية مثل حفر الآبار العشوائية، إلى جانب ضرورة استمرار الدعم السياسي لهذا المسار. فنجاح هذه المرحلة لا يتوقف على التفاهمات النظرية، بل على ترجمتها إلى إجراءات عملية --تعيد التوازن إلى حوض اليرموك وتؤسس لإدارة مشتركة أكثر عدالة وكفاءة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows