النرويج تستعيد حيّها الحكومي... هل يلتئم جرح أوسلو المفتوح؟
Arab
1 hour ago
share
استعادت النرويج حيّها الحكومي في العاصمة أوسلو، في لحظة وُصفت بأنها رمزية في مسار التعافي من الهجمات الإرهابية التي نفّذها أندرس بيرينغ بريفيك في 22 يوليو/تموز 2011، وأودت بحياة 77 شخصاً في واحدة من أكثر الهجمات دموية في تاريخ البلاد الحديث. وقال رئيس الحكومة النرويجي يوناس غار ستورا (يسار الوسط العمالي)، في تصريحات نقلها التلفزيون النرويجي، خلال افتتاح المباني الحكومية الجديدة اليوم الاثنين، إن البلاد "أعادت بناء نفسها بعد الحرب، والآن تعيد بناء نفسها بعد الإرهاب"، مضيفاً: "لقد استعدنا حيّنا، وهذا حدث تاريخي يجب أن نحتفي به". وجاءت تصريحات ستورا خلال تدشين المرحلة الأولى من إعادة إعمار الحي الحكومي الذي تعرض لتدمير واسع إثر تفجير استهدف مقرات حكومية في أوسلو، قبل ساعات من الهجوم المسلح على جزيرة أوتويا التي كانت تستضيف مخيماً شبابياً، بمشاركة محلية ودولية، لحزب العمال النرويجي. وأوضح ستورا أن المشروع يمثل أحد أكبر مشاريع البناء في تاريخ النرويج، إذ سيضم في نهاية مراحله نحو 4100 موظف حكومي، فيما يتوقع اكتمال جميع مراحله بحلول عام 2029، بتكلفة إجمالية تتجاوز 50 مليار كرونة نرويجية، خصصت 60% منها لتعزيز إجراءات الأمن والحماية. وأكد أنّ "هذه التكاليف كانت غير مرغوبة، لكنها أصبحت ضرورة فرضها الإرهاب (اليميني المتطرف)"، مشدداً على أن إعادة الإعمار لا تقتصر على البنية التحتية، بل تشمل أيضاً إعادة بناء الذاكرة الوطنية، عبر إنشاء مركز دائم لتوثيق هجمات 22 يوليو/تموز وتعليم الأجيال القادمة. هجوم أوسلو وأوتويا تعود جذور هذا المشروع إلى الهجوم الذي نفذه بريفيك في 2011، عندما فجّر سيارة مفخخة قرب الحي الحكومي في أوسلو، ما أدى إلى مقتل ثمانية أشخاص وإلحاق أضرار كبيرة بعدد من المباني الرسمية، بينها مكتب رئيس الحكومة. وبعد ساعات قليلة، انتقل إلى جزيرة أوتويا، مرتدياً زي الشرطة النرويجية، إذ أطلق النار عشوائياً على المشاركين في المخيم السياسي الشبابي، ما أسفر عن مقتل 69 شخصاً معظمهم من الشباب. وشكل الهجوم صدمة عميقة للمجتمع النرويجي، وجرحاً لا يزال يثير نقاشاً حول التطرف اليميني العنفي في المجتمع المسالم، إذ اعتبره البعض ضرباً لـ"عذرية المسلّمات بالأمن والسلام في النرويج"، وأعاد فتح النقاش حول هذا التطرف وخطاب الكراهية في أوروبا الغربية والشمالية عموماً، خصوصاً مع إعلان بريفيك دوافعه المرتبطة بمعاداة الهجرة والتعددية الثقافية، من خلال مانيفستو تناقلته المجموعات المتطرفة كمرجعية فكرية لها. لاحقاً، أُدين بريفيك بارتكاب جرائم إرهابية وقتل عمد، وصدر بحقه حكم بالسجن لمدة 21 عاماً، مع إمكانية التمديد غير المحدود طالما اعتُبر خطراً على المجتمع، وهي أقصى عقوبة في النظام القضائي النرويجي. تمدد خارج النرويج رغم إدانته وسجنه، لم تنتهِ تداعيات بريفيك عند حدود النرويج، إذ تحوّل اسمه لاحقاً إلى مرجع لدى بعض دوائر اليمين المتطرف الدولي، التي استحضرت مراراً "المانيفستو" الذي صاغه حول "الحرب الثقافية" ورفض الهجرة والتعددية، وهو بيان أيديولوجي متطرف حاول فيه بريفيك تبرير هجماته وتقديم تصور شامل لما اعتبره "صراعاً حضارياً" في أوروبا. ومن أهم الأفكار التي تضمنها المانيفستو (بشكل عام): رفض الهجرة والتعددية الثقافية، إذ ركّز على معاداة الهجرة، خصوصاً من الدول الإسلامية، واعتبرها تهديداً للهوية الأوروبية، ونظرية "أسلمة أوروبا": تبنّى فكرة مؤامراتية مفادها أن أوروبا تتعرض لـ"استبدال ديموغرافي" تدريجي، وكذلك خطاب قومي متطرف دعا إلى استعادة "أوروبا المسيحية" ورفض النموذج الليبرالي المتعدد الثقافات، وأيضاً تصنيف المجتمع إلى "نحن" و"هم"، إذ قسّم السكان بين "أوروبيين أصليين" و"نخب خائنة" ومهاجرين، وهي ثنائية شديدة التبسيط استخدمت لتبرير العنف. إلى جانب تبرير العنف السياسي، فقد حاول تقديم الهجوم الذي كان يخطط له كـ"ضرورة" في إطار ما وصفه بـ"الدفاع عن الذات"، وهو ما جعل الوثيقة مرتبطة مباشرة بالإرهاب اليميني الأبيض. وأشارت تقارير أمنية غربية إلى أن هجمات لاحقة في نيوزيلندا عام 2019، ولا سيّما هجوم كرايستشيرش، وكذلك بعض أعمال العنف اليميني في كندا وأميركا الشمالية وغيرهما، حملت إشارات أو استلهاماً جزئياً من خطاب بريفيك، سواء في البيانات المنشورة أو في الدوافع الأيديولوجية المعلنة. ودفع هذا التحول خبراء مكافحة الإرهاب إلى التحذير من نشوء "سردية عابرة للحدود" لدى اليمين المتطرف العنفي، تقوم على تمجيد وتطبيع العنف الفردي وتغذيها شبكات رقمية عابرة للدول. إعادة البناء: بين الذاكرة والأمن لا تُعد إعادة إعمار الحي الحكومي مجرد مشروع عمراني، بل جزءاً من مقاربة وطنية تجمع بين الأمن والذاكرة. فإلى جانب المباني الجديدة، سيجري إنشاء مركز تذكاري دائم لهجمات 22 يوليو/تموز، يهدف إلى توثيق الحدث وتحويله إلى مساحة تعليمية حول مخاطر التطرف والإرهاب السياسي. وترى الحكومة النرويجية أن الحفاظ على الذاكرة جزء أساسي من منع تكرار الكارثة، في حين يُنظر إلى تعزيز الإجراءات الأمنية داخل الحي الحكومي على أنه نتيجة مباشرة للدروس المستخلصة من الهجوم. وبين إعادة بناء الحجر وإحياء الذاكرة، تحاول النرويج طي صفحة واحدة من أكثر الفصول دموية في تاريخها الحديث، دون محوها من الوعي العام. وما بين أوتويا وأوسلو، لا يزال 22 يوليو/تموز 2011 حاضراً بوصفه جرحاً مفتوحاً في الذاكرة الأوروبية، وتحذيراً دائماً من تحوّل خطاب الكراهية إلى عنف سياسي شامل، قادر على تجاوز الحدود وإعادة تشكيل مشهد التطرف في العالم.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows