Arab
يمسك الأردني جلال برجس، في مجموعته القصصية الثانية "نحيل يتلبسه بدين أعرج" (دار الشروق، القاهرة، 2026)، بعناصر فنّ القصّة من حيث الشكل والمحتوى، ويحافظ ببراعة على وحدة الزمان والمكان في الفضاء القصصي، ويلتزم لغةً قصصيةً مكثّفةً متقشّفةً تنجو من فائض الثرثرة، وتحتّل دواخل الشخصيات، التي غاص فيها عميقاً، الشاغل الأكبر للكاتب الذي منح الشخصيات الفضاء القصصي للتعبير عن ذواتها، وأفكارها، ورؤاها، وأحزانها، ومخاوفها، وهواجسها، وأحلامها، وانكساراتها، وخيباتها، واضطراباتها النفسية، وقلقها الوجودي العميق، وهاجس الموت الذي يُعدّ خيطاً ناظماً للقصص جميعها.
في قصّة "مدينة المتلصّصين"، الأولى في المجموعة، يفضح النصّ، عبر شخصية الموظّف الجديد وعلاقته المرتبكة المهزوزة بالموظّفة الصامتة، لحظات شديدة الخصوصية من حيوات الآخرين، نقاط ضعفهم وانحرافاتهم النفسية والأخلاقية، ويدين حالة الفضول الجمعية التي تنفي فكرة الخصوصية، مستخدماً حالة الحرّ القائظ ودرجات الحرارة غير المحتملة للتعبير عن حالة الانكشاف الخانقة.
في "صانع الشواهد"، يسيطر هاجس الموت على فضائها من خلال شخصية صانع الشواهد مبتور القدمَين، المريب الغامض الذي يعدّ شواهد القبور سلفاً، ويخشاه الجميع ويتشاءمون من مجرّد المرور من أمام مشغله، وقد تمكّن النصّ من تحميل هذه الشخصية القلق والحزن وحالة الاستسلام والعجز من خلال القدمَين المبتورتَين لصانع الشواهد الذي يواجه الموت في النهاية.
في "مساحة فارغة"، هناك انتباه استثنائي للتفاصيل التي يغيبها الاعتياد، وانحياز حتمي للحياة بجمالياتها الكثيرة، وانتصار لتحرير الوعي، وتحريض على التأمّل واستثمار اللحظة الراهنة لأنّها الحقيقة الوحيدة الثابتة في هذا الوجود الملتبس. في قصّة "عيد ميلاد" صرخة احتجاج وتوق إلى الحرية، يطلقها رجل نزق عصبي المزاج، غير محبوب في محيطه لأنّه خارج على اشتراطات القطيع وتوقّعاته، التي تفترض في الفرد الخضوع والانسجام والتناغم. رجل مرهف الحسّ، توّاق إلى الانعتاق والحرية، يعبّر عن ذلك بعادة غير مألوفة بالنسبة إلى الآخرين، إذ يشتري طيوراً ويحرّرها من أقفاصها للتحليق بعيداً في استعارة تشي بتوقه إلى الخلاص.
في "مانيكان"، نقرأ عن عامل في مصنع لـ"ربّ البندورة"، مجهول النسب، يعاني النبذ والرفض والوحدة والوحشة، يتعلّق بمانيكان معروضة في الواجهة، بما يذكّر بمسرحية "بجماليون" الذي أفضى به عشق التمثال إلى الموت. في "ذبابة" نستعيد مسخ كافكا، إذ تتحوّل الذبابة إلى ندّ للشخصية المسحوقة التي تعبّر عن غضبها وإحساسها بالظلم والتهميش والعجز عن المواجهة، وتذهب بعيداً في البوح، فتحكي للذبابة عن قهرها وإحباطها. ثمّة وزير فاسد، ومدير ظالم، وسائق تاكسي متهوّر، لم تحضر هذه النماذج عبثاً، بل لتؤكّد الانسحاق والتهميش والغربة التي تعيشها الشخصية.
تحكي قصّة "نحيل يتلبسه بدين أعرج"، وهي عنوان المجموعة، عن سطوة الوهم وقدرته على التحكّم بالذهن، وعن الخوف من الشيخوخة والعجز، وعن أهمية فعل الكتابة والبوح، تخفّفاً من عبء الوهم الذي يصبح قاتلاً إذا ما تمكّن من الحواس. تمكّن جلال برجس في هذه المجموعة من المزج بحِرفية عالية بين الواقعية والفانتازيا الغرائبية، بما يُلقي مزيداً من الضوء على القصص، ويبدو جلياً تأثّر الكاتب بعلم النفس من خلال القدرة على التوصيف الدقيق لأعراض الأمراض النفسية المعاصرة مثل الاكتئاب، والذهان، والوسواس القهري، والتوحد، والسوداوية.
اللافت للنظر، ورغم إهدائه المجموعة إلى جدّته سلمى، فإن شخصيات جلال جميعها مذكّرة، بمعنى أنّ جميع الشخصيات، من دون استثناء، هي لرجال بملامح مشتركة، موظّفين ينتمون إلى الطبقة الوسطى، يعملون في مؤسّسات حكومية وخاصّة: مأمور مستودع، والأحوال المدنية، وضريبة الدخل، وشركة الكهرباء، وشركة قطع السيارات، ومحرّر في صحيفة محلّية. كذلك ظلّ حضور المرأة هامشياً وغير مؤثّر: زوجة متبرّمة، عاشقة مخذولة.
تحيّة إلى جلال برجس وهو يعيد الألق، في مجموعته المتميّزة والثرية، إلى فنّ القصة التي تعرّض لكثير من الهجر والنكران، واحتمالية الاندثار لمصلحة فنّ الرواية، وهو الأكثر حضوراً وتأثيراً إذا ما شئنا الإقرار بالأمر الواقع.

Related News
ترمب يرد على فشل المفاوضات بـ«حصار بحري»
aawsat
1 hour ago