Arab
تبرز في المغرب مخاوف حقوقية متزايدة بشأن هامش حرية التعبير في البلاد، في ظل تسجيل ملاحقات قضائية عديدة مرتبطة بالتعبير الفني والرقمي في الآونة الأخيرة. في هذا السياق، شهدت الساحة الحقوقية المغربية، خلال الأيام الماضية، ملاحقات قضائية طاولت نشطاء بسبب آرائهم التي يعبّرون عنها، خصوصاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أثارت سجالاً، كما سلطت الضوء على حرية الرأي في البلاد.
وكانت المحكمة الابتدائية في مدينة تمارة القريبة من الرّباط، قد قضت في السادس من إبريل/نيسان الحالي، بإدانة الناشط النقابي حسن الداودي بخمسة أشهر حبساً نافذاً، في قضية أثارت منذ بدايتها نقاشاً واسعاً حول حدود حرية التعبير، خاصة في الفضاء الرقمي.
جاء الحكم بعد أسابيع من النقاش الذي رافق اعتقال الداودي في مدينة الصخيرات (جنوب العاصمة المغربية)، على خلفية منشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهي القضية التي دفعت هيئات حقوقية إلى التحذير مما سمته "اتساع دائرة المتابعات المرتبطة بالتعبير الرقمي".
في 26 مارس/آذار الماضي، قضت المحكمة الابتدائية في تازة بسجن مغني الراب صهيب قبلي، المعروف باسمه الفني "الحاصل"، ثمانية أشهر نافذة، مع تغريمه مبلغ ألف درهم (نحو 100 دولار)، وذلك بعد متابعته بتهمة الإخلال بواجب التوقير والاحترام الواجب لمؤسّسة دستورية، على خلفية تدوينات نشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ووُجد أنها مسيئة إلى مؤسسات وأشخاص.
يعرف مغني الراب بأعماله الفنية التي تتناول قضايا اجتماعية وسياسية، من بينها انتقاد الأوضاع الاقتصادية، والتعبير عن مواقف رافضة للتطبيع، والدعوة إلى الحرية والعدالة الاجتماعية. لاقت هذه الأعمال تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، ولا سيما في أوساط الشباب.
قبل ذلك، في 12 فبراير/شباط الماضي، اعتقلت السلطات المغربية الناشطة زينب الخروبي، المقيمة في فرنسا وعضوة حركة جيل زد 212، فور وصولها إلى مطار مراكش، على خلفية منشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي مرتبطة باحتجاجات جيل زد، وذلك بناءً على شكاية تتهمها بـ"التشهير والإهانة" وتوجيه تهم إضافية تتعلق بـ"التحريض عبر الإنترنت".
في هذا السياق، يرى رئيس منظمة حريات الإعلام والتعبير (حاتم)، محمد العوني، أن محاكمة الشاب صهيب قبلي والنقابي والناشط الحقوقي حسن الداودي "تدعو إلى القلق، وتؤكد أن هناك اتجاهاً إلى إغلاق منافذ التعبير عن الآراء والأفكار، ولتضييق فضاءات ومجالات حرية التعبير. وهو ما يناقض التزامات المغرب والمنظومة الحقوقية الوطنية وحتى الدستور المغربي الذي ينص على كثير من الحريات".
يقول العوني، في تصريح لـ"العربي الجديد": "مطلوب من أجهزة الدولة والأجهزة التنفيذية أن تحترم الحريات، لا أن تؤول المبادئ الدستورية والقانونية، وأن تتوقف عن تأويلات القانون خارج قواعد المنظومة الديمقراطية والخيار الديمقراطي الذي أصبح من ثوابت البلاد منذ إقرار دستور 2011، وكذلك المنظومة الحقوقية، ولا سيّما ما يرتبط بالحقوق الأساسية".
يتابع موضحاً: "على النقيض من ذلك، المطلوب هو أن تجري حماية حرية الرأي والتعبير، بما فيها حرية التواصل الرقمي والتعبير الفني على اعتبار أن الفن ليس جريمة"، مؤكداً أن "من مسؤولية مؤسسات الدولة حماية حرية تعبير مؤسسات المجتمع والمواطنين حتى يتم تدبير الأمور المشتركة وعدم الدفع بالمواطنين إلى ردود سلبية".
بدوره، يرى الناشط الحقوقي خالد البكاري، في حديث إلى "العربي الجديد"، أن الإدانات القضائية والمتابعات بسبب الرأي بالمغرب "لم تعد تستهدف للأسف، التعبيرات السياسية الخالصة، بل أصبحت تلاحق كذلك التعبيرات الفنية والجمالية، وهذا يعني نزوعاً من السلطة إلى الهيمنة المطلقة على كل فضاءات الفعل المواطناتي، سواء في الشارع أو المساحات الرقمية أو التعبيرات الفنية".
يشير البكاري إلى "أننا أمام محاولة لبناء وطنية جديدة تتسم بالشوفينية، التي لا تنبع من المجتمع، بل من فائض السلطة. بمعنى أن السلطة تسعى إلى أن تكون المحدد الوحيد للانتماء الوطني في الدين وفي السياسة المحلية والخارجية، وفي المعمار، وفي الذائقة، وفي الفن، وفي قراءة التاريخ حتّى".
يقول الناشط الحقوقي إنّ "كل من يحاول الانزياح عن حدود "تمغربيت" السلطوية وليس المجتمعية، أصبح عرضة للإقصاء أو المتابعة القضائية أو التشويه، في محاولة يائسة لتكريس ماكارثية بنسخة مغربية، وهو مسعى غير ممكن في بلد من سماته الأساسية الاختلاف إثنياً وثقافياً وأيديولوجياً، وكل مسعى إلى تنميطه هو نوع من الاستحالة"، يتابع: "للأسف، يوجد تيار في السلطة يحاول أن يختلق أزمات حقوقية لتبرير ما يطالب به من توسيع السلطات المتوفرة له حالياً".
وبالنسبة إلى رئيس المكتب التنفيذي للجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان (غير حكومية)، محمد رشيد الشريعي، فإن الملاحقات القضائية تطرح إشكاليات قانونية عميقة، أبرزها توسيع دائرة التأويل في قضايا التعبير، إذ اعتُبرت تدوينة تنتقد الوضع العام وتدعو إلى الاحتجاج السلمي بمثابة تحريض على أفعال إجرامية عبر وسائل إلكترونية، وهو ما يمثّل "منزلقاً خطيراً قد يفتح الباب أمام تجريم الآراء بدل الأفعال".
يؤكد الشريعي أن حرية الرأي والتعبير مكفولة دستورياً، وأن المتابعات تفتقر إلى الأساس الجنائي، موضحاً أن إبداء الرأي يدخل في صلب حرية التعبير المكفولة دستورياً، وأنّ الاعتقال في حد ذاته يطرح شبهة التعسف، ويتناقض مع التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان.
يقول لـ"العربي الجديد" إن "المنهجية التي تدير بها الحكومة قضايا حرية التعبير تؤشر على أنها ماضية في نهج تصعيدي يهدف إلى ردع الأصوات المنتقدة، بدل فتح نقاش عمومي مسؤول حول الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي تؤرق شريحة واسعة من المواطنين".
يضيف: "القضية لم تعد معزولة، بل تُقرأ ضمن سياق أوسع يتحدث عن تنامي تشدّد رسمي ضد حرية التعبير، إذ يُلجأ إلى المتابعات القضائية بوصفها آلية لضبط الفضاء الرقمي وتقييد النقاش العمومي، في وقت يفترض فيه أن يشكل هذا الفضاء متنفساً ديمقراطياً للنقاش الحر".
وشدد على أنه "في الوقت الذي ننتظر انفتاحاً على تحقيق المزيد من المكتسبات نسجل، وبامتعاض شديد، دليلاً قاطعاً على تراجع هامش الحريات، إذ يضاف الشاب صهيب والنقابي الداودي إلى قائمة مثيرة للسجال لما يُعرف بمعتقلي الرأي".
إجمالاً، يرى الشريعي أن الملاحقات تفتح الباب مجدداً أمام أسئلة محرجة حول مستقبل حرية التعبير، وحدود النقد المسموح به في مغرب يحاول الالتزام بالمواثيق الدولية المصادق عليها، والتي تشكل التزاماً حقوقياً.

Related News
العراق: تطمينات حكومية وسط عبء الأسعار
alaraby ALjadeed
29 minutes ago