Arab
تواجه مصر ضغوطاً أميركية متصاعدة تهدد بفرض رسوم جمركية إضافية وقيود على صادراتها المتجهة إلى السوق الأميركية، اعتباراً من مايو/ أيار المقبل. وتتقاطع هذه التحركات مع توسع الصناعات الصينية داخل مصر بهدف إعادة التصدير إلى الأسواق الغربية، ما يضع القاهرة في قلب صراع متشابك على سلاسل الإمداد والممرات التجارية العالمية. وتأتي هذه الضغوط في إطار اتجاه الولايات المتحدة إلى تفعيل المادة 301 من قانون التجارة الأميركي، التي تتيح فرض رسوم أو حظر استيراد السلع المرتبطة بعمالة الأطفال والعمل القسري. وهي آلية بدأت واشنطن استخدامها بالفعل عبر تحقيقات تشمل أكثر من 60 دولة، من بينها مصر، وفق دراسة أصدرها المركز المصري للدراسات الاقتصادية، الخميس الماضي. وتشير الدراسة، التي أعدها عدد من رجال الأعمال وخبراء أسواق المال الدولية ومستثمرون مشاركون في اتفاقيات الكويز للتجارة الحرة بين القاهرة وواشنطن بالشراكة مع مستثمرين إسرائيليين، إلى أن صادرات مصر إلى الولايات المتحدة بلغت نحو 2.2 مليار دولار في عام 2024. وتتركز هذه الصادرات بصورة رئيسية في الملابس الجاهزة التي تمثل أكثر من نصف الإجمالي، إلى جانب الحديد والصلب والسجاد ومنتجات غذائية.
"عسكرة الدولار"
وتلفت الدراسة إلى أن الخطر الأكبر يتركز في سلاسل إنتاج القطن، التي تظل الأكثر عرضة للاتهامات المرتبطة بعمالة الأطفال، خصوصاً مع استمرار وجود هذه الظاهرة في قطاعات مثل الزراعة وصناعة الطوب والحجر الجيري. ووفقاً للخبراء، فإنه رغم تراجع معدلات عمالة الأطفال في مصر من 7% في 2014 إلى 4.9% في 2021، وهو مستوى أقل من المتوسط الإقليمي، فإن نحو 70% من هذه العمالة تصنف ضمن الأعمال الخطرة بعد توسيع تعريفها دولياً، بما يعقد الموقف التفاوضي لمصر. وقال مسؤول في اتحاد الغرف الصناعية المصرية لـ"العربي الجديد" إن استخدام واشنطن ملف عمالة الأطفال للضغط على مصر في هذا التوقيت يتجاوز البعد الحقوقي، الذي تغاضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن متابعته خلال العامين الماضيين، ليصبح أداة ضغط ضمن مفاوضات تجارية أوسع، مع استهداف ممارسات إعادة التصدير عبر دول وسيطة.
وأضاف المصدر أن الولايات المتحدة لم تعد تفرض قيوداً على الدول فقط، بل على سلاسل التوريد نفسها، في إشارة إلى التحول في أدوات السياسة التجارية الأميركية، و"عسكرة الدولار"، إضافة إلى مخاوف أميركية من توجه مصر ودول الخليج والمنطقة إلى استخدام اليوان بديلاً من الدولار في بعض صفقات التبادل التجاري، بعد اتساع استخدامه في تجارة النفط وبعض الصفقات المقومة بعملة ثالثة أو ضمن ترتيبات تبادل متكافئة، بما يهدد مكانة الدولار المهيمنة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ويقول عضو في اتحاد الصناعات إن "المشكلة لم تعد في وجود عمالة أطفال من عدمه، بل في قدرة الدولة على إثبات خلو سلاسل التصدير منها أمام الجهات الرقابية الدولية"، ولا سيما أن مصر تعاني فائضاً واسعاً في العمالة من مختلف الأعمار، إلى جانب ارتفاع معدلات التسرب من التعليم الأساسي، التي تصل إلى 25% وفق تقديرات دولية، ما يصعّب على الحكومة نفي اتهامات تشغيل الأطفال في صناعات تحتاج بطبيعتها إلى عمالة كثيفة ورخيصة.
ورغم حساسية التهديدات الأميركية، لم تعلن الحكومة المصرية حتى الآن تحركاً مباشراً لمواجهة هذه التحقيقات، سواء عبر قنوات تفاوض رسمية أو من خلال تشكيل فرق متخصصة، وفق رصد أجرته "العربي الجديد" استناداً إلى البيانات المنشورة على موقع مركز معلومات مجلس الوزراء والوزارات المعنية. واقتصر التحرك الرسمي على إجراءات محلية، من أبرزها صدور قرار في مارس/ آذار 2026 بحظر تشغيل الأطفال دون سن 15 عاماً، وتحديث قائمة المهن الخطرة، وتشديد قواعد التدريب المهني، وهي إجراءات تعكس استجابة تنظيمية داخلية لا ترقى إلى مستوى المواجهة التجارية المطلوبة.
حصار الاستثمارات الصينية
وتبرز هذه التحركات البطيئة فجوة واضحة بين تصاعد الضغوط الأميركية وضعف الاستجابة المصرية، إذ لا تزال القاهرة تعتمد على تحسين الإطار التشريعي والرقابي داخلياً، من دون تحرك خارجي موازٍ يتعامل مباشرة مع التحقيقات الأميركية. وقد دفع ذلك خبراء المركز المصري للدراسات الاقتصادية إلى مطالبة الحكومة بالتحرك العاجل نحو الانخراط في جلسات الاستماع الأميركية، التي تبدأ تلقي طلبات المتحدثين فيها اعتباراً من 15 إبريل/ نيسان الجاري، مع تقديم مذكرات رسمية توثق تحسن أوضاع العمالة، وإنشاء نظم تتبع لسلاسل الإنتاج، خصوصاً في القطن والزراعة، إلى جانب تنويع الأسواق التصديرية لتقليل الاعتماد على السوق الأميركية التي تستوعب حصة كبيرة من صادرات النسيج المصرية.
وحددت السلطات الأميركية موعد جلسات الاستماع بين 28 إبريل/ نيسان و1 مايو/ أيار، في توقيت حاسم قد يحدد اتجاه الإجراءات وحجم الرسوم التي قد تفرض على مصر. وفي حال ثبوت تشغيل عمالة أطفال أو استيراد مستلزمات إنتاج من شركات صينية خاضعة للحظر الأميركي، قد تواجه الصادرات المصرية عقوبات موازية لتلك المفروضة على الشركات الصينية المدرجة على القوائم السوداء.
ورغم خطورة هذا التوجه الأميركي، لم يصدر موقف علني قوي من اتحاد الصناعات أو الغرف التجارية في مصر. ويبرر مسؤول في لجنة الصناعة بجمعية رجال الأعمال المصريين ذلك، في مقابلة مع "العربي الجديد"، بأن التعامل مع الأزمة يجب أن يكون عبر التفاوض الفني، مؤكداً أنّ الصناعات التصديرية المهمة، ولا سيما الملابس الجاهزة، تلتزم بالفعل بمعايير الإنتاج الدولية. ومع ذلك، يشير المصدر إلى أن الأمر لا يتعلق فقط بالرسوم المحتملة، بل بخطر إدراج مصر ضمن سلاسل الإمداد عالية المخاطر، بما قد يدفع المستوردين الأميركيين والشركات المرتبطة بالسوق الأميركية إلى إعادة النظر في التعامل مع الموردين المصريين. وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع توسع صيني غير مسبوق في القطاع الصناعي المصري، خصوصاً في مجالات الغزل والنسيج والملابس.
وتظهر بيانات وزارة الاستثمار والهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، الشريك المصري مع شركة تيدا التي تدير المنطقة الصناعية الصينية غرب القناة، أن إجمالي الاستثمارات الصينية في مصر يراوح بين 9 و10 مليارات دولار بنهاية 2025، مع وجود نحو 2800 شركة، فيما تستهدف القاهرة جذب 3 مليارات دولار إضافية خلال 2026. وفي المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي تمثل مركز هذا التوسع، تستحوذ بكين على نحو نصف استثمارات تقدر بحوالى 11.6 مليار دولار، بينما تضم منطقة تيدا أكثر من 200 مشروع باستثمارات تتجاوز 3 مليارات دولار. وتتركز الاستثمارات الصينية في قطاع المنسوجات، ومن بينها مشروع بقيمة 100 مليون دولار في القنطرة (غرب)، إلى جانب ثلاثة مشروعات أخرى بإجمالي 65.5 مليون دولار، يذهب نحو 90% من إنتاجها إلى التصدير نحو الولايات المتحدة وأوروبا.
ويرى خبير اللوجستيات محمد شرين، أن هذه الاستثمارات تعكس استراتيجية صينية لإعادة التموضع الصناعي خارج الحدود بهدف تجاوز القيود التجارية الأميركية، عبر استخدام مصر منصة للإنتاج والتصدير. ويضيف، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن هذه الاستراتيجية ذاتها قد تصبح هدفاً مباشراً للتحقيقات الأميركية، خصوصاً مع تركزها في قطاعات الملابس والقطن، حيث تستهدف واشنطن "الضغط على النموذج نفسه، لا على الدولة المضيفة فقط". ويؤكد شرين أن هذا التصعيد يتقاطع مع منافسة متصاعدة على طرق التجارة العالمية، إذ تلعب مصر دوراً محورياً في مبادرة الحزام والطريق، مستفيدة من موقعها على الممر البحري لقناة السويس، في وقت تدعم فيه الولايات المتحدة مشروع الممر البحري الذي يربط بين الهند والإمارات ودول الخليج وإسرائيل وأوروبا، والذي ينظر إليه بوصفه ممراً بديلاً قد يقلص الاعتماد على قناة السويس. وفي حال نجاح هذا المشروع، قد يؤدي ذلك إلى تحويل جزء من حركة التجارة الدولية بعيداً عن القناة، بما يفرض ضغوطاً إضافية على دور مصر في التجارة العالمية.
