Arab
أياً كان الموقف من إيران، سواء من أصدقائها أو خصومها، فمن المهم أن يكون ما حدث فيها منذ اللحظة الأولى بمثابة درس مهم لعديد من دول العالم الثالث؛ بخاصة إذا قارنّاه بالنموذج الفنزويلي. وربما هذا ما أثار حنق ترامب وأربك مخطّطاته، إذ بنى كل فرضياته على هذا النموذج، ولم يكن في حساباته أو تصوّراته، الآتية من عالم الصفقات والصورة النمطية عن العالم الثالث، بوصفه مجرّد سلطات دكتاتورية ومجموعة من النخب الانتهازية التي ترى مصالحها الشخصية ترتبط بالولايات المتحدة أكثر من قوة المشروعات القومية.
كشف النموذج الإيراني عن دولة قومية حقيقية، بدلالة القدرة المدهشة لمؤسّساتها على تجاوز أخطر وأكبر منعطف يمرّ به النظام السياسي الحالي منذ الثورة الإيرانية في 1979؛ إذ وُجِّهَت ضربة مفاجئة قاسية، ليس من خصم عادي، بل من أقوى دولة، ومعها دولة خطيرة تملك أسلحة أمنية وعسكرية لم يُكتشف سر بعض تقنياتها بعد، ومن ورائهما معاً حركتان خطيرتان نافذتان لهما نفوذ عالمي كبير؛ الصهيونية العالمية والمسيحية الصهيونية التي باتت متغيراً مهمّاً في فهم سياسات أميركا تجاه الشرق الأوسط، بخاصة مع صعود اليمين الأميركي الذي جعل من دونالد ترامب حصان طروادة لتنفيذ تصوّراته الدينية المتزاوجة مع الصهيونية الدينية.
لم يكن ما حدث في الحرب مجرّد مفاجأة عسكرية وأمنية كبيرة، ولا التخلّص من قائد أو زعيم عادي، بل مظلة القوى السياسية والرمز الروحي للنظام الإيراني، وضابط إيقاع التوازن بين أكبر قوتين: المحافظين والإصلاحيين، وبين القوى العسكرية والمدنية، وبين الداخل والخارج في السياسات الإيرانية. فلم يكن تجاوز تلك اللحظة تحدّياً عابراً أو بسيطاً لأي نظام سياسي؛ كانت لحظة مصيرية مفصلية. لكن المفارقة أن هذا السيناريو كان قد دُرس مسبقاً لدى النخبة الحاكمة في إيران، وعلى الأغلب بإشراف من علي خامنئي نفسه، وقد أُعدّت السيناريوهات كاملة مسبقاً؛ وبذلك نستطيع أن نفهم كيف تجاوزت الدولة هذا المنعرج المصيري.
لم تقف العواصف عند هذه المفاجأة، بل تجاوزتها إلى قتل أغلب الصف القيادي المهم عسكريّاً وأمنيّاً، وراهن الأميركيون على انشقاق داخل النظام لم يحدث، ما قد يعود إلى أن النخبة العسكرية المتمثلة بالحرس الثوري أمسكت بمقاليد الأمور. ولكن من الضروري ألّا نغفل أيضاً أن المشاعر القومية والوحدة السياسية حكمتا كذلك مواقف التيار الإصلاحي في النظام، ومعه شطر كبير من المعارضة الإيرانية، الذي رجّح وحدة بلاده واستقلالها على تحقيق مطالب مشروعة بالديمقراطية والحرية، ولكن ضمن نظام سيكون مخترقاً من الأميركيين والإسرائيليين.
ربما من المفيد هنا العودة إلى كتاب مهم ومفتاحي لفهم النموذج الإيراني، للباحث والمفكر الأميركي البارز (من أصول إيرانية) ولي نصر (Valli Nasr)، "استراتيجية إيران الكبرى"، وقد بدأ كتابته قبل الحرب الحالية، وتقوم ثيمته الرئيسية على أن سياسة الصراع مع أميركا لم تبدأ مع الخميني، بل قبل ذلك بصورة متراكمة، ولعل الانقلاب على رئيس الوزراء محمد مصدق، بتعاون أميركي - بريطاني في عام 1953، وإعادة الشاه محمد رضا بهلوي، تمثل ذاكرة حية في المجتمع الإيراني. وربما المفارقة أن البديل الذي كان يطرحه نتنياهو للنظام الحالي هو نجل الشاه، الذي يعيش في أميركا ومرتبط بجهاز الاستخبارات والموساد هناك، كما كشف تحقيق مهم أخيراً لصحيفة نيويورك تايمز.
لم يقف الدرس الإيراني عند هذا الحجم من استيعاب التدمير والصدمات، بل في إتقان سياسات اللعبة التي طبقها دونالد ترامب بحذافيرها معهم، في استخدام عنصر الإكراه والتهديد لمحاولة إيصالهم إلى الخضوع؛ وقد مارسوا معه اللعبة نفسها، وأتقنوها أكثر منه، برغم فارق القوة الكبير بين الطرفين.
بالضرورة، لم تنتهِ اللعبة، ولم نصل إلى الحلقة الأخيرة من المسلسل، لكن ما حدث، بخاصة بعد مهزلة فنزويلا، يقدّم نموذجاً مختلفاً عن تلك السياسات التي أراد ترامب خداع العالم بها تحت عنوان "السلام بالقوة"، لتكريس هيمنة افتراسية جديدة، كما وصفها عالم السياسة ستيف والتس.
