Arab
تُعبّر الحماية الاجتماعية عن الكيفية التي توزّع بها المجتمعات مخاطر الحياة الاقتصادية بين الدولة والسوق والأفراد، وهي بذلك انعكاس مباشر للفلسفة الاقتصادية السائدة وطبيعة العقد الاجتماعي. ففي النماذج الليبرالية، حيث يُنظر إلى السوق بوصفه الآلية الأساسية للتخصيص، تُختزل الحماية الاجتماعية في شبكات أمان محدودة تستهدف الفئات الأشد فقراً، ويُفترض أن يكون العمل المأجور والقدرة على الاندماج في السوق المصدر الرئيسي للأمن الاجتماعي. أما في نماذج دولة الرفاه، فتُعاد صياغة الحماية الاجتماعية بوصفها حقاً مواطنياً وأداة لتقاسم المخاطر، وتضطلع الدولة بدور مركزي في توفير التأمينات الاجتماعية والخدمات العامة، باعتبارها استثماراً في الاستقرار الاجتماعي والإنتاجية ورأس المال البشري. في المقابل، اندمجت الحماية الاجتماعية في الأنظمة الاشتراكية والتخطيطية ضمن بنية الدولة نفسها، عبر التشغيل والدعم الشامل للأسعار والخدمات، ما وفّر مظلة واسعة شكلياً، لكنه غالباً افتقر إلى الكفاءة والاستدامة واعتمد على توزيع ريعي أكثر من اعتماده على الحقوق أو النمو الإنتاجي.
استمر نموذج الحماية الاجتماعية بوصفه امتداداً لدولة الرعاية السلطوية، مع توسّع كمي في الدعم والخدمات من دون تطوير نوعي في الفلسفة أو الأدوات
فلسفة الحماية الاجتماعية في سورية ومكوناتها
تَشكّلت الحماية الاجتماعية في سورية تاريخياً بوصفها جزءاً عضوياً من فلسفة الحكم لا من منظومة الحقوق، أي باعتبارها أداة لإدارة العلاقة بين الدولة والمجتمع أكثر من كونها التزاماً قانونياً قائماً على المواطنة والمساءلة. فمنذ منتصف القرن العشرين، قامت هذه الفلسفة على منطق الرعاية الريعية: الدولة تتكفّل بتأمين الحد الأدنى من شروط العيش عبر الدعم الشامل والخدمات العامة، مقابل الاستقرار السياسي والامتثال الاجتماعي. ومع إقرار القانون رقم 92 لعام 1959، الذي أسّس لنظام التأمينات الاجتماعية، تبلورت الحماية ضمن إطار مؤسسي يقوم على أربعة مكونات رئيسية مترابطة ولكن غير متكاملة: أولاً الدعم السلعي والخدمي (الخبز، الطاقة، المياه، التعليم، الصحة) الذي اتسم بالشمول وغياب الاستهداف؛ تضمنت: دعم الأسعار للمواد التموينية والطاقة والمياه؛ برامج توليد الدخل المحدودة عبر المشاريع الصغيرة؛ تحويلات نقدية وعينية مباشرة بدأت مع الصندوق الوطني للمعونة الاجتماعية عام 2011؛ ونظام التأمينات الاجتماعي الإجباري ذي الطابع الشبه التعاوني، الذي يغطي إصابات العمل والشيخوخة والعجز والوفاة، لكنه لا يغطي البطالة أو الصحة الشاملة ويعاني ضعف التغطية في القطاع غير المنظم. ثانياً التأمينات الاجتماعية بدأ نظاماً طوعياً حديثاً عام 2006، حيث بلغ عدد المستفيدين حوالي مائة ألف مؤمن عام 2010 (0.4% من السكان) بسبب ضعف الوعي والدخل. الإلزامية ذات الشمول المحدود، والمقتصرة عملياً على العاملين في القطاع المنظم؛ ثالثاً الخدمات الاجتماعية العامة قدمت الدولة خدمات كالتعليم العام والرعاية الصحية الأساسية مجاناً، وخدمات مدعومة مثل المياه والكهرباء والاتصالات، بوصفها حقوقاً مكفولة دستورياً لجميع المواطنين. الخدمات المقدّمة بوصفها حقوقاً دستورية شكلية غير مميِّزة بين الفقراء والأغنياء؛ رابعاً نظمه قانونان رئيسيان: نظام العاملين الأساسي في الدولة (رقم 50 لعام 2004) وقانون العمل رقم 17 لعام 2010، وتضمن قضايا الدخل وظروف العمل والإنصاف الاجتماعي. سوق العمل بوصفه الركيزة المفترضة للحماية، لكنه ظل الحلقة الأضعف بسبب تدني الأجور وغياب سياسات العمل اللائق. هذه الفلسفة جعلت الحماية الاجتماعية أداة لإعادة توزيع الريع وشراء الشرعية، لا أداة لإعادة توزيع الدخل أو الاستثمار في رأس المال البشري، وهو ما أسّس لتناقض بنيوي ظل كامناً عقوداً.
من الرعاية الريعية إلى التحول المفاهيمي
حتى مطلع الألفية الثالثة، استمر نموذج الحماية الاجتماعية بوصفه امتداداً لدولة الرعاية السلطوية، مع توسّع كمي في الدعم والخدمات من دون تطوير نوعي في الفلسفة أو الأدوات. قبيل عام 2010، بدت المؤشرات الاجتماعية مستقرة نسبياً: بلغت نسبة السكان تحت خط الفقر الشديد نحو 8.5%، وسُجّل معدل بطالة بحدود 8.6%، فيما تجاوز الإنفاق على التعليم 18% من إجمالي الإنفاق العام، وبلغ الإنفاق على الصحة قرابة 5%. غير أن هذا الاستقرار أخفى هشاشة بنيوية تمثلت في محدودية شمول التأمينات الاجتماعية (نحو مليوني مؤمَّن فقط) مقابل اقتصاد غير منظم تجاوز 30% من حجم الاقتصاد، وفي اعتماد مفرط على الدعم السلعي، حيث راوحت نسبة دعم مياه الشرب بين 47% و63% من التكلفة.
شكّلت الخطة الخمسية العاشرة (2006– 2010) نقطة انعطاف مفاهيمية مهمة، إذ تبنّت الدولة لأول مرة مفهوم "اقتصاد السوق الاجتماعي"، وسعت نظرياً إلى إعادة صياغة فلسفة الحماية الاجتماعية عبر الربط بين النمو الاقتصادي والتنمية البشرية، واعتماد سياسات مناصرة للفقراء، وإدخال شبكات أمان اجتماعي موجهة، والتعهد بتوسيع مظلة الضمان الاجتماعي لتشمل القطاع غير المنظم. غير أن هذا التحول بقي في معظمه تحولاً محدوداً؛ إذ تقدّم تحرير الأسعار والانفتاح الاقتصادي بوتيرة أسرع من بناء بدائل حماية فعّالة، وبقي الدعم الشامل قائماً، بينما لم تتبلور أدوات استهداف حقيقية ولا إصلاحات مؤسسية عميقة. وهكذا، دخلت سورية عام 2011 وهي في حالة انتقال غير مكتمل: فلسفة حماية اجتماعية قديمة آخذة في التآكل، وأخرى جديدة لم تولد بعد.
نجاح الحماية الاجتماعية في مرحلة ما بعد التحرير لن يُقاس بحجم الإنفاق وحده، بل بقدرته على إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع
سردية الانهيار والتحوّل إلى البقاء
لم تكن الحرب التي اندلعت عام 2011 مجرد صدمة ظرفية للحماية الاجتماعية، بل لحظة كشف عن هشاشتها البنيوية وتحولها الوظيفي. فمع تدمير البنى التحتية وتقلّص الناتج المحلي وتفتت الجغرافيا الاقتصادية، انهار الإطار الذي كانت تستند إليه دولة الرعاية السلطوية، وتحولت الحماية الاجتماعية من منظومة – ولو ناقصة – لإدارة المخاطر إلى آلية إسعافية لإدارة البقاء. في هذا السياق، لم تعد مؤشرات الفقر والبطالة مجرد أرقام، بل علامات على تفكك العقد الاجتماعي ذاته؛ إذ قفز الفقر الشديد من 8.5% قبل الحرب إلى نحو 58% بحلول 2023، ما يعني أن الفقر لم يعد حالة استثنائية بل أصبح القاعدة الاجتماعية الجديدة. وبالمثل، عكست قفزة البطالة إلى 48.4% عام 2015، ثم تراجعها الشكلي إلى 23.6% عام 2023، انتقال سوق العمل من فضاء العمل اللائق إلى فضاء العمل القسري والهش، حيث تحل الاستراتيجيات الفردية للبقاء – عمالة الأطفال، عمل النساء غير المنظم، الهجرة – محل أي حماية مؤسّسية.
في مواجهة هذا الانهيار، أعادت الدولة تفعيل أداتها التقليدية: الدعم، لا بوصفه سياسة اجتماعية بقدر ما هو أداة احتواء سياسي واجتماعي. فبلغ الدعم ذروته عام 2013 ليصل إلى نحو 70% من الموازنة العامة، وبلغ دعم الخبز وحده 347.24 مليار ليرة سورية، وشكّل الدعم بمختلف أشكاله قرابة 40% من الموازنة في ذروة الأزمة. غير أن هذا التوسع الكمي أخفى تراجعاً نوعياً حاداً؛ إذ تآكلت القيمة الحقيقية للدعم بفعل التضخم وانهيار سعر الصرف، وتحول من شبكة أمان إلى مساهمة رمزية في تأمين الحد الأدنى من البقاء. في الوقت نفسه، أعادت الحرب تشكيل بنية التأمينات الاجتماعية نفسها: فارتفاع نسبة المستفيدين إلى المسجلين من 27.6% إلى 51.5% لم يكن تعبيراً عن توسع التغطية، بل عن شيخوخة قسرية للنظام وزيادة حالات العجز والوفاة، أي تحوله من تأمين مرتبط بالعمل إلى شبكة أمان للمتقاعدين والمعاقين وضحايا النزاع. وعلى مستوى الخدمات الأساسية، جسّد انهيار الاستثمار في التعليم (3.23% عام 2022)، والصحة (0.77% في العام نفسه)، والمياه (1.70%)، انتقال الدولة من الاستثمار في المستقبل إلى إنفاق طارئ على الحاضر، بما يرسّخ اقتصاد البقاء ويقوّض أي تعافٍ طويل الأمد.
مستقبل الحماية الاجتماعية
نجاح الحماية الاجتماعية في سورية في مرحلة ما بعد التحرير لن يُقاس بحجم الإنفاق وحده، بل بقدرته على إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وحماية الأجور الحقيقية، وضمان حد أدنى من الدخل، ومنع إعادة إنتاج الفقر البنيوي الذي كشفت عنه سنوات الحرب. وبهذا المعنى، فإن الحماية الاجتماعية في ظل الاقتصاد الحر الرأسمالي ليست نقيضاً للنمو، بل شرطٌ ضروريٌّ له، وجزءٌ من عقد اجتماعي جديد يؤسّس لدولة حديثة قائمة على المواطنة والعدالة الاجتماعية.

Related News
اليابان تبتكر طرقاً بديلة لتأمين النفط بعيداً عن هرمز
aawsat
3 minutes ago
جدول إجازات 2026 في مصر.. متى تبدأ إجازة عيد الأضحى 1447؟
al-ain
18 minutes ago