الخليج وروسيا أنموذجان...الاتفاق على استهداف النفط
Arab
2 hours ago
share
تزداد وتيرة استهداف النفط في الخليج فترتفع الأسعار، إذ ترافق ذلك مع تضييق إيران منافذ التصدير عبر مضيق هرمز. وللمفارقة، تبدأ أوكرانيا باستهداف منابع النفط الروسية التي حاولت الاستفادة من أزمة الحرب الأميركية - الصهيونية على إيران، لتعوّض بعض الخسائر النّاجمة من الحظر الغربي لموارد طاقتها، نفطاً وغازاً، في حين أن تصريحات أميركية موجّهة نحو الحلفاء، بريطانيا مثلاً، تدعو إلى التقرّب من البيت الأبيض قصد الحصول على نفط وغاز، ممّا ضُيّق عبوره الخليج ومضيق هرمز. السّؤال الذي يُطرح: هل لتزامن هذه المعطيات كلّها معنى استراتيجي، خاصّة أنّ ثمّة تهديد إيراني بأنّه إذا استمرّت الحرب وتجاوزت حدود استهداف بعض المواقع العسكرية (مناطق توطين المشاريع النّووية ومواقع لتمركز قوات الحرس الثوري أو مواقع انطلاق الصواريخ الإيرانية) أو المدنية (مواقع تحلية مياه البحر أو محطّات توليد الكهرباء، إضافة إلى منابع نفطية وأخرى غازية)، فإن إيران ستستهدف محطّات تحلية المياه في الخليج، وهي مورد حياة، أي تحوّل الحرب إلى صراع وجودي بالنسبة إلى سكّان منطقة من أكثر المناطق التي تعاني الفقر المائي؟ أبرزت الحرب على إيران مسلّمة أنّ الأمن إنّما هو للكيان الصهيوني منذ بداية هذه الحرب، والجميع يحاول فهم مسار صراعٍ ليس للخليج فيه مصلحة، إذ حوّلت أميركا المنطقة إلى طرف غير مباشر في الحرب، وهي تعلم تمام العلم أنّ ثمّة موردَين استراتيجيَّين، الأوّل أوجد الخليج في خريطة العالم وهو النّفط، والآخر الماء الذّي من دونه تزول المنطقة وكأنّها لم تكن، فيلعب الكلّ لتحويل الصراع إلى صراع وجودي بالقضاء على سبب وجود الخليج ومورد حياته، وهو ما حاول بعضهم جاهداً إفهامه للجميع في محاولة للنأي بالخليج عن الاصطفاف في هذه الحرب، خصوصاً أنّ المسلّمة التي أبرزتها هذه الحرب، بصورة جلّية لا تقبل الشكّ ولا الجدال: أنّ الأمن إنّما هو للكيان الصهيوني، كاملاً وحصرياً، على حساب الجميع، إضافة إلى عامل آخر، أنّ الحرب الحالية، بعد محطّة فنزويلا باختطاف رئيسها ونفطها، هي لمنع الصين من الوصول إلى الطاقة التي تلزمها للاستمرار في مسار صعودها الحتمي نحو تصدُّر قمّة الاقتصاد العالمي، بمعنى أنّ الحرب لا ناقة ولا جمل لأحد في المنطقة في خوضها، وهناك خطورة في الاصطفاف مع أحد أطرافها، وفي محاولة الوقوف موقف المتفرّج دونما السعي إلى احتواء الخطر الدّاهم على سبب الوجود ومنبع الحياة، النفط والماء، بالنسبة إلى منطقة بأكملها، بدولها وشعوبها، وبالتنمية التي حصلت عليها على مدى عقود. يحتاج الجواب عن السؤال أعلاه إلى فهم مسلّمات هذه الحرب، إذ ثمّة سرديتان تتصارعان، الأولى غربية - صهيونية بقصد إتمام تمكين الكيان وضمان أمنه، وما يتبع ذلك من حصوله على موارد طاقيّة رخيصة الثمن، ولكن، هذه المرّة، ليس باستغلالها أو ضمان تدفُّقها بسعر وأمن هما في إدراك الغرب حقّ حصري، وكأنّ الكيان، برفقة حليفه الصُّهيوني، ما زال مستعمراً المنطقة، ويستحوذ على إمكانات الحصول على خيراتها. وتقابل تلك السردية، منذ عقود، سردية أخرى تعمل لزرع أمل في أنّ المنطقة واعية بإمكاناتها، وبأنّ المقاومة، بكل ما تعنيه من معنى، هي مناط الوجود سواء كان ذلك في وقت ما من خلال الدول، أو الآن، من خلال كيانات بعضها فوق الدول وبعضها كامن تحت الدول نفسها بمضمون سرديّة استرداد الحقّ، أو على الأقلّ (كما هدف إلى هذا يحيى السنوار ومن هم على شاكلته في المقاومة) الاستمرار في مواجهة تناقضات السردية الغربية - الصهيونية بأنّ القضية الفلسطينية صُفّيت، وبأنّ وسيلة المقاومة، بعد وسمها بالإرهاب وتدويل تجريم معاداة السّامية، لا يمكن أن تؤدّي إلّا إلى ما نراه، وأنّ التطبيع أضحى مرفوضاً لأنّه غير مقبول من القواعد الشعبية العريضة، وبأنّ الوسيلة الوحيدة للتمكين للسردية الغربية تمرّ عبر تفتيت المنطقة بتجسيد خريطة برنارد لويس، وذلك باستهداف منبع الوجود وسبب الحياة، النّفط والمياه، ليكون شكل الصراع ومضمونه قد أخذا مساراً وجودياً تماماً كما يصوّرهما، مرّة أخرى، من قابل تلك السردية الغربية بسردية من طبيعتها ذاتها، أي فهم تحوّلات الصراع من صراع يمكن أن يحتويه الاقتصاد (المشروع الشّرق أوسطي لبيريز، صفقة القرن وجانبها الاقتصادي، أو ريفيرا ترامب في غزّة) أو آليات السلام (التّطبيع أولاً، صفقة القرن في جانبها السياسي ثانياً، ثم الاتّفاقات الإبراهيمية ثالثاً) إلى صراع لا يُحلّ إلّا بالآلة العسكرية التي يجب أن تطاول الكلّ، ذلك أنّ الغرب لا يعرف التقدّمي والرجعي، كما لا يعرف الإسلامي المعتدل والإسلامي المتطرّف، بل لا يعرف سنّة ولا شيعة، كما لا يعرف حتى العلماني المتزلّف من القومي الوطني، لأنّ الكلّ عنده سيّان، والمنطقة مدعوّة لأن تُفرَّغ من كلّ ذرّة شعور بغربة الكيان، وإلى تطبيع وجوده، ليس من خلال الاتّفاقات والتطبيع، بل من خلال الصراع الوجودي. المنطقة مدعوّة لأن تُفرَّغ من كلّ ذرّة شعور بغربة الكيان، وإلى تطبيع وجوده، ليس من خلال الاتّفاقات والتطبيع، بل من خلال الصراع الوجودي يبقى السؤال: لماذا استهداف النّفط الآن، وفي كلّ منابعه، من اختطاف نفط فنزويلا إلى نفط الخليج وروسيا؟ الجواب، من خلال معطيات طبول الحرب التي ما زالت تدقّ، ومن خلال تحليلات تأتي من هنا وهناك، من متخصّصين ومن غيرهم، بأنّ تحوّلات النّظام العالمي، ومواجهة حتمية تاريخية تتمثّل في صعود الصين في المستقبل المنظور، هو القصد الأوّل والأخير، بما أنّ أميركا قبل الحرب الحالية نفّذت مخطّطاً مرسوماً بدقّة بإعلان عودة مبدأ مونرو، أميركا للأميركيين، ثم الاستحواذ على نفط فنزويلا، والآن، على مستوى الهدف الأول وطبيعته الاستراتيجية، مرافقة الكيان الصهيوني في مغامرته لمساعدته في إعادة جزء من معنوياته التي أتى عليها "طوفان الأقصى" بتغيير بوصلة السردية من مجرّد توسيع جغرافية الكيان (من وعود ترامب قبل صعوده إلى البيت الأبيض لعهدة ثانية) عبر ضمّ غزّة والضفة إلى الحديث عن "إسرائيل الكبرى" (من النيل إلى الفرات من خلال، للمفارقة، حديث مايك هاكابي، سفير واشنطن في الكيان)، ثم ضمان سيطرة كاملة بالقضاء على أي منافسة محتملة من إيران، بل ضمان جغرافية أكثر تواؤماً مع الأمن الكامل والحصري للكيان، من خلال تجسيد تفتيت خريطة الشّرق الأوسط برمّتها، حتى تلك التي كان أصحابها يتغنّون بالاتّفاقات الإبراهيمية وبقربها من الكيان، بتسهيل استهداف منبع الحياة (المياه)، وسبب الوجود (النفط)، وليكون ذلك جيوسياسياً حتى إلى روسيا، لمنعها من التفكير بأنّ ما يجري في المنطقة فرصة للاستفادة منها، وأبعد من هذا، معاقبة الأوروبيين الذين وصلت جرأة بعضهم إلى الاعتراف بدولة فلسطين، أو بمقارعة ترامب على مستوى حلف شمال الأطلسي (ناتو) من خلال برميل نفط مرتفع، وغليان على مستوى الجبهة الاجتماعية بوقود سيأتي على ما تبقّى من جهود لإعادة الحياة للإنعاش الاقتصادي في القارّة العجوز، أوروبا. تستهدف الحرب الحالية حتمية تصدّر الصين النظام العالمي بمنعها من الوصول إلى منافذ الطاقة ربّما، لإضافة معطيات تزيد الأمر وضوحاً، لم يجرؤ الكيان، عقوداً، على غلق المسجد الأقصى أمام جموع المصلّين، سواء لصلاة التّراويح في رمضان، أو في العيد، كما لم يجرؤ على الوصول إلى درجة أقرّ معها حقّه التشريعي في إعدام الأسرى الفلسطينيين، كما لم يجرؤ الرئيس الأميركي على الانحطاط في خطابه والنيل من الزعماء العرب، كما فعل في خطابه منذ أيّام، فاستهدف ولي العهد السعودي، ممّا ينبئ بأنّ الخطط الغربية ماضية في التجسيد، سواء على مستوى الطاقة، أو على مستوى ما يوصله إلى أهدافه في التمكين لكيانات انفصالية، والعمل لإيجاد فوضى خلّاقة كانت على الدوام حصان طروادة للإمساك بخيوط الإقليم المضطرب، والاحتفاظ فقط بمسلّمة أمن الكيان وحصرية تفوّقه على الكلّ، ثم تصفية القضية الفلسطينية وتطويق الصين إلى حين، بمنعها من الوصول إلى منابع الطاقة، تأخيراً لتلك الحتمية التي تحدّثنا عنها، حتمية تصدّر الصين النظام العالمي. تلك هي الخطط الغربية، وتلك حدود الاستجابة في الشّرق الأوسط لتلك الخطط بوعي أهلها لكلّ ما يُحاك من استهداف النفط والمياه، وإبراز أنّ المظلّة الأمنية إنّما هي للكيان، حصرياً، والبقية أتباع، وبأنّ المرحلة المقبلة ليس المطلوب فيها التّطبيع، بل الاستسلام، وفقط، ذلك أنّ الاتّفاقات الإبراهيمية كانت خطوة بآليات السّلام، والآن استُعيض عنها بآليات الصراع الوجودي، فلم يعد للكيان والغرب القدرة على التصديق بأنّ ثمّة أطراف يمكن مفاوضتها على سلام ما، ذلك أنّ السّرديَّتَين المتقابلتَين متناقضتَان ولا تحتملان التّعايش، خصوصاً أنّ "طوفان الأقصى" أظهر حدود الاقتناع الغربي، على مستوى الرأي العام الشعبي، بشكل ومضمون السردية التي قُدّمت على مرّ عقود لمظلوميات لم يعد أحد يصدّقها. ذلكم هو الوعي الذي وصل إليه المعتدي والمعتدى عليه، والإقليم في انتظار المفاصلة، ولهذا يُستهدف سبب الوجود ومنبع الحياة، النفط والمياه على التوالي، من خلال حرب عبثية.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows